شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 09 سبتمبر 2026م13:36 بتوقيت القدس

فوق ركام مصنع خياطة.. زوجان يرممان "حلم العمر"!

09 سبتمبر 2026 - 12:24

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

للفقد في غزة أثرٌ يشبه الغصة في الحلق.. كابوسٌ يقلع المرء من جذوره ثم يطالبه بأن يبتسم للحياة! تمامًا هذا ما حدث مع الحاج رفيق الحرازين، "أبو أحمد" وزوجته، النازحَين من حي الشجاعية إلى شرفة بيت مستأجر في حي الصبرة بمدينة غزة.

هما اليوم يلملمان شتات عمر كامل، ويحاولان بكل ما أوتيا من صبر استعادة صورة حياة تركاها خلفهما رغمًا عنهما. خمسون ماكينة خياطة ما تزال غارقة تحت أنقاض مصنعهما الذي كان يضج يومًا بأكثر من ثلاثين عاملًا، يجيئون صباحًا ويمضون مساءً بأجورهم ورزق أبنائهم، بينما كانت أم أحمد تقف إلى جوار زوجها، تشاركه الشقاء والتفاصيل والقرار.

تضرب جذور هذه القصة في عمق السنين.. ثلاثة عشر عامًا قضاها رفيق يكد في إحدى شركات الخليج العربي، حتى عام 1995م، قبل أن يرجع إلى أرض الوطن مع زوجته وأبنائهما الستة، يحمل رأس مال صغير، وأملًا كبيرًا بمشروع يقي العائلة نوائب الدهر.

بدأت الفكرة حين رأى أحد إخوته يمارس المهنة، فاشترى الماكينات وافتتحا مشروعاً مشتركاً، قبل أن يستقل كل منهما بجهده. ومع الأيام، كَبُر المصنع.

كان رفيق يضع يده مع عماله، وأم أحمد تشاركه الكفاح.. تفحص الملابس بعد خياطتها وتبدي رأيها، بينما الأولاد يساعدون والدهم حتى غدا المكان شريان حياة يعيل عشرات الأسر.

غير أن الحرب كعادتها لا تحترم أحلام البناة، إذ أُغلقت الأبواب فجأة وقضت النار على كل شيء.

يقول رفيق بأسى: "عندما وقعت الحرب، كان القصف يطال كل جدار، فأغلقتُ المصنع وتركته مجبرًا". نازحَين تنقلا بين النصيرات ورفح، وهناك شاهدا كيف يغدو الثوب عزيزًا، وكيف يضطر الناس لتدبير ملابسهم من شراشف الأسرّة وقطع القماش القديمة في ظل قحط شديد ونقص حاد في الإبر والخيوط.

العودة كانت على رؤوس الخيبات، وجدا المصنع أثرًا بعد عين، بعض المعدات تهشمت بفعل القصف، وخمسون ماكينة استقرت تحت الركام.

تُخبرنا أم أحمد عن تلك الأيام بمرارة: "مرّت علينا أيام طويلة في رفح لم نجد فيها حتى إبرة خياطة، ولم تكن هناك ماكينة واحدة يمكن شراؤها".

وفي كانون الثاني/يناير 2025م، وخلال الهدنة الأولى، قفز الشوق بالزوجين فعادا إلى غزة، لكن العودة كانت على رؤوس الخيبات، وجدا المصنع أثرًا بعد عين، بعض المعدات تهشمت بفعل القصف، وخمسون ماكينة استقرت تحت الركام.

جلس رفيق أمام المكان الذي أودع فيه زهرة شبابه عاجزًا عن الاستيعاب، وإلى جانبه كانت أم أحمد، بينما الأنقاض تتحدث بصمت شجي عن حياة كان يمكن أن تستمر.

ولم تكن خسارة الحجارة أشد الفواجع، فقد كان هناك غياب يزن جبالًا من الوجع. فقد الزوجان ابنهما "سيف" عقب مداهمة الاحتلال الأولى لمستشفى الشفاء، إذ غُيب بعد مروره عبر الحاجز، ومنذ تلك اللحظة، يُذكر اسمه في كل زاوية، حاضرًا في وجدان أمه وأبيه، غائبًا عن عيونهما دون أن يعلما له مصيرًا.

ورغم ثقل الفقد، لم يكسر الخراب عزيمة الزوجين، إذ جمعا شتات أمرهما وحاولا البدء من جديد في حي الشجاعية داخل منزلهما.

أصلحا ما أمكن إصلاحه من الماكينات، وعاد بعض العمال للعمل معهما. تقول أم أحمد وهي تسترجع تلك اللحظة: "للحظة واحدة، شعرنا أن المصنع يعود للحياة".

لكن القصف العنيف عاد ليعصف بالآمال من جديد، فتضررت المعدات المتبقية، ولما اشتدت الغارات، توجّه الزوجان نحو حي الصبرة، حاملَين معهما ست ماكينات فقط استطاعا إنقاذها، متمسكَين برباط الأمل.

يضيف رفيق: "سمعت في الأخبار أن كل شيء سيعود لسابق عهده خلال يومين"، بينما تتنهد أم أحمد قائلة: "كنت أشم رائحة سيف في غزة، ولهذا اخترنا البقاء".

سعى الزوجان لشراء المعدات من جديد، متكئَين على إمكانات شحيحة، حتى أقاما مصنعًا صغيرًا في حي الصبرة. يصفه رفيق مقارنةً بالمصنع الأول بقوله: "شتان بين هذا وذاك".

لكن المصنع يئن تحت وطأة الحاجة للأقمشة والمواد الخام، وارتفاع الأسعار الشديد وغلق المعابر، مما يمنع رفيق من إعادة جميع عماله السابقين.

تكتمل الغصة حين تتذكر أم أحمد سبع ماكينات جديدة كان قد اشتراها رفيق قبل الحرب بأشهر قليلة ووضعها في المنزل.

ويؤكد أن الإنتاج لم يعد كما كان بفعل الدمار والنزوح، وحين سُئل عن أصعب ما اختزنه في ذاكرته من هذا الكابوس، صمت برهة ثم قال بنبرة تفيض حسرة: "الشعور بالعجز شعور قاهر"، فقد كان مشروعه أكثر من مجرد حرفة، كان سنداً لعشرات البيوت.

وتكتمل الغصة حين تتذكر أم أحمد سبع ماكينات جديدة كان قد اشتراها رفيق قبل الحرب بأشهر قليلة ووضعها في المنزل، وتقول وهي تضرب كفًا بكف: "لم يترك الاحتلال لنا بيتًا ولا عملًا".

ومع ذلك، ما يزال رفيق يرى في الخياطة فنًا عصيًا على الموت، إذ يواصل الوقوف إلى جوار زوجته في ورشتهما الصغرى، متشبثًا بمهنة بدأت قبل عقود كفكرة، ثم صارت رحلة عمر.

كاريكاتـــــير