شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 11 سبتمبر 2026م01:53 بتوقيت القدس

تركوا القطاع قسرًا تحت نيران الحرب..

من غزة إلى الخارج.. أكاديميون في نزوحٍ "مفتوح"!

10 سبتمبر 2026 - 15:10

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يغادر الدكتور زياد أبو يوسف قطاع غزة في أبريل/نيسان 2024م وهو يتهيأ لنزوح طويل في مصر. خرج وفي ذهنه موعدٌ قريبٌ للعودة.

كان يقول لنفسه: "بضعة أشهر وتنتهي الحرب، ثم أعود إلى منزلي وعملي وحياتي الأكاديمية"، لكن الأشهر مضت، ثم مضى عام، فعامان ونصف، وما زال في القاهرة، بعيدًا عن المكان الذي شهد حياته وذكرياته ونجاحاته.

يقول أبو يوسف لـ"نوى": "ستة شهور من الحرب في غزة، وسنتان ونصف من النزوح في القاهرة، لكنني حتى الآن لم أستوعب ما حدث ويحدث، سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى القضية برمتها".

قبل الحرب، كان أستاذًا جامعيًا يمارس عمله الخاص، ويعيش مع أسرته في غزة. أما اليوم، فقد خسر منزله وأعماله وممتلكاته وأوراقه، ولم يعد التفكير في العودة وترميم ما تهدم هو همه الأول، بقدر ما صار انشغاله منصبًا على كيفية الاستمرار وتأمين مستقبل أبنائه الأربعة.

منزل الدكتور  زياد أبو يوسف بعدما طاله القصف الإسرائيلي بغزة

في بداية خروجه، كان يظن أن العودة مسألة وقت، ومع استمرار الحرب واتساع القتل والدمار والمجاعة، تبدل معنى وجوده في مصر، فلم تعد القاهرة مجرد محطة انتظار، بل مكانًا آمنًا احتمى فيه من حرب لم تتوقف.

يضيف: "بدأنا نشعر أن الله وفقنا في الخروج من غزة لنكون في مكان آمن في القاهرة"، لكن الأمان لا يعيد ما تركه النزوح خلفه -حسب تعبيره.

ومع امتداد الغياب، ارتفعت تكاليف المعيشة، واضطر كثير من النازحين إلى الانتقال لمساكن أقل كلفة، فيما ظل مستقبل الأبناء، البعيدين عن جامعاتهم وحياتهم في غزة، سؤالًا مفتوحًا.

يقول أبو يوسف: "للأسف، التفكير بات اليوم في أمور تبقينا على قيد الحياة وفقط".

الدكتور صلاح عبد العاطي أقصى يمين الصورة

أما الدكتور صلاح عبد العاطي، فبدأ نزوحه من داخل غزة قبل أن يغادرها، بعد استهداف منزله وأرضه ومكتبه وممتلكاته.

وخلال الحرب، فقد سبعة من أفراد عائلته، بينهم والدته وأخوه وزوجته وابنته وخالته وأخته وابنة أخيه. لم يتوقف عمله الحقوقي بعد الخروج، لكنه اتخذ شكلًا آخر -كما يقول.

فبعد أن كان يعمل من داخل غزة، بين التوثيق والفعاليات واللقاءات الميدانية، صار جزء كبير من عمله يجري من الخارج، عبر التواصل مع المؤسسات الدولية والمحاكم والبرلمانات والبعثات الدبلوماسية ووسائل الإعلام.

يخبرنا عبد العاطي: "الابتعاد عن غزة غيّر طبيعة عملي أكثر مما أوقفه"، موضحًا أن عمله أصبح يتركز أكثر على "تدويل المأساة، وبناء الرواية الفلسطينية، وتفعيل حلقة التضامن والمساءلة الدولية".

لكن استمرار العمل لم يلغ أثر المنفى. فقدان البيت والاستقرار، إلى جانب استمرار الحرب، جعل العودة سؤالًا مؤجلًا، لا خيارًا بديلًا. يقول: "طول المدة لا يحوّل الإكراه إلى اختيار، ولا يجعل المنفى وطنًا بديلًا".

وتتقاطع تجربتا أبو يوسف وعبد العاطي عند حقيقة واحدة/ تقول أن النزوح لم يكن مغادرة مكان فحسب، لقد امتد إلى العمل، واستقرار الأسرة، ومستقبل الأبناء، وإلى الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى حياته حين يصبح كل ما كان ثابتًا فيها قابلًا للفقدان.

الدكتورة سهام أبو العمرين

وتحمل تجربة الدكتورة سهام وجهًا آخر لهذا الغياب، فقد غادرت غزة قبل الحرب بنحو شهر واحد فقط، وهي تظن أنها تبتعد مؤقتًا عن مدينةٍ ستعود إليها هادئة، لتواصل حياتها الاجتماعية والثقافية والأكاديمية، لكن الحرب اندلعت، وتحولت الرحلة القصيرة إلى اغتراب طال أكثر مما توقعت.

كانت مشاهدة غزة وهي تدمر أمام العالم صدمة أخرى، إذ لم تشعر أن وجودها خارج القطاع يعني نجاة مكتملة، بل زاد إحساسها بالعجز. تقول: "الجسد كان خارج المكان، والروح والذاكرة والوعي هناك في غزة".

ومع طول الحرب، أعادت سهام تعريف دور المثقف الفلسطيني، فالمثقف، في نظرها، لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالإنتاج الأكاديمي والثقافي، بل أصبح معنيًا بحماية الذاكرة من الضياع، وتوثيق ما جرى في غزة، من تدمير المؤسسات والصروح الثقافية إلى المرويات الشفوية والتراث والأغاني والدبكة، وإنشاء أرشيفات وموسوعات تحفظ ذاكرة الحاضر للأجيال المقبلة.

وتضيف: "إن المثقف مطالب في هذه اللحظة بألا يتحول إلى مثقف منهزم أو مستلب، بل أن يحول ما عاشه إلى وثيقة وشهادة، ويسهم في بناء سردية فلسطينية تتجاوز حدود غزة وتصل إلى العالم".

لكن العودة، بالنسبة إلى سهام، لا تعني استعادة الحياة التي سبقت الحرب، فهي تدرك أن غزة التي ستعود إليها لن تكون المدينة التي غادرتها. "لقد تغيرت بنيتها وشكلها وتركيبها الاجتماعي"، ومع ذلك، تظل العودة بالنسبة إليها "عودة للوطن وللمسؤولية الوطنية"، واستمرارًا في الحياة رغم كل ما حدث.

كاريكاتـــــير