الضفة الغربية - الخليل:
لم يدر بخلد السيدة هزار الجزار -وهي فلسطينية من غزة-، أن زيارتها شبه الشهرية للضفة الغربية ستمتد لثلاث سنوات؛ تُحرم فيها من اللقاء بأبنائها، وتفقد كل ما تملك وسند حياتها، ما جعلها في حالة نفسية صعبة وشتات يضيف أعباءً مضاعفة لتعبها الجسدي المستمر منذ أكثر من عقد من الزمان.
بدأت حكاية هزار مع المرض منذ قرابة 10 سنوات حينما اكتشف الأطباء أنها مصابة بسرطان في الغدة الدرقية، ما جعلها بحاجة إلى علاج دوري شهري في الضفة الغربية للحفاظ على مستوى هرمون "الثيروكسين" في جسمها والحيلولة دون حدوث مضاعفات.
تقول الجزار إنها قبيل الحرب بثماني سنوات تذهب للضفة دوريًا، لتقضي قرابة 25 يومًا في الخليل، تخضع خلالها للعلاج ثم تعود إلى غزة لقضاء المدة نفسها تقريبًا، ثم تعود مجددًا للضفة وهكذا.
اكتشف الأطباء أن هزار مصابة بسرطان في الغدة الدرقية، ما جعلها بحاجة إلى علاج دوري شهري في الضفة الغربية
وقبيل حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة بتسعة أشهر، سافرت ليست كمريضة فقط بل كمرافقة أيضًا لابنها مهند (24 عامًا)، الذي كان يعاني من سرطان العظام. وتوضح: "خضع مهند للعلاج وتم استبدال مفصل يده اليسرى ثم عاد لغزة".
لم تكن هزار تعلم أن وداعها لـ "مهند" بعد انتهاء فترة علاجه على أمل لقاء قريب بعد تلقيها جرعات علاجها هي أيضًا، سيمتد ليقارب الأربع سنوات من الحرمان
وتتابع: "لكنني كنت مطمئنة على أبنائي بوجود والدهم معهم؛ فهو معتاد أن يرعاهم في غيابي منذ لحظة اكتشاف المرض لدي".
ومع اندلاع الحرب على القطاع، لم تتمكن هزار وغيرها من العشرات من المرضى ومرافقيهم الذين كانوا يتلقون العلاج في الضفة الغربية من العودة لغزة، ليعيشوا ظروفًا نفسية صعبة في ظل انفصالهم عن أسرهم.
تُبيّن الجزار أنها عانت "الأمرين" منذ اندلاع الإبادة، جراء انقطاع التواصل لفترات طويلة مع أسرتها بسبب تعطل الاتصالات والإنترنت، مشيرة: "كل ما بدي اسمع خبر قريب منهم، النار بتشعل في قلبي، برن عجوالاتهم محدش بيرد، الجوالات بتكونش مشحونة".
مع اندلاع الحرب على القطاع، لم يتمكن العشرات من المرضى ومرافقيهم الذين كانوا يتلقون العلاج في الضفة الغربية من العودة لغزة.
وتصاعد الألم النفسي لدى هزار بفقدان أسرتها لكل ما تملك، وتركها لاثنين من أبنائها يصارعان مرض السرطان، فيما كانت الحادثة الأكثر إيلامًا استشهاد زوجها منذ قرابة العام وهو ذاهب لجلب المساعدات لأبنائه من "زيكيم" شمالي القطاع.
وتتابع: "تضاعف الحمل الملقى على عاتقي بعد استشهاد زوجي الذي كنت مطمئنة على أبنائي في وجوده، وأنا الآن مضطرة للعمل رغم مرضي لتوفير لقمة العيش لهم وتوفير مستلزماتي".
وفي غزة، يعاني ابنها "مهند" من عودة مرض السرطان إلى جسده، وتزحزح المفصل الذي قام بتركيبه بالضفة الغربية من مكانه إثر ارتطامه بالأرض بعد قصف مجاور.
أما ابنتها أماني (27 عامًا) -وهي أم لـ 5 أبناء- فاكتشف الأطباء إصابتها بالسرطان في الغدة بعد نجاتها من قصف إسرائيلي استهدف العمارة التي كانت توجد فيها.
تخبرنا أمها: "اخترقت أسياخ من الباطون رقبتها فاكتشف الأطباء أنها مصابة بسرطان الغدة، وأجرى لها الأطباء عملية استئصال الغدة لكنها بحاجة ماسة للعلاج في الخارج".
وتكمل بأن ابنتها تعاني من ظروف صحية ومعيشية صعبة في الخيمة، بينما زوجها مصاب أيضًا وأوتار يده تجعله غير قادر على رعاية أبنائه، فابنتها وزوجها غير قادرين على رعاية أطفالهما.
وما يزيد من الألم النفسي لدى "هزار" أن ابنها البكر مفيد (26 عامًا) مفقود، وترفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي الاعتراف بوجوده في سجونها رغم أن أسرى محررين أكدوا أنه معتقل.
تحتاج هزار لحقنة يومية سعرها يتجاوز الـ 600 شيكل، والمناعة لدي تحت الصفر
ولا تغيب هزار عن آلام أبنائها الستة فقط، بل هي غائبة أيضًا عن أفراحهم: تتحدث "تزوج مهند وكذلك ريتاج دون أن أحضر زفتهم أو أشاركهم فرحتهم، والآن ريهام تمت خطبتها ولا أعلم إذا كنت سأتمكن من حضور حفل زفافها!".
وما يزيد ألم هزار أنها بحاجة لمن "يطبطب على كتفها"، حيث تعاني هي أيضًا من وضع صحي سيء، موضحة: "أجريت عملية جراحية ركب خلالها الأطباء هنا جهازًا يمكنهم من إدخال الدواء اللازم لجسدي بشكل يومي بعد أن أصبحت الأوردة غير قابلة لإعطاء الدواء عبرها".
ورغم تشوق هزار لرؤية أبنائها في أقرب وقت ممكن، إلا أنها تخشى أن عودتها لغزة ستضر بحالتها الصحية: "أنا احتاج لحقنة يومية سعرها يتجاوز الـ 600 شيكل، والمناعة لدي تحت الصفر، فلا أستطيع العيش في بيئة غير صحية وفي ظل عدم وجود مياه وطعام صحيين" -تختم-.
























