شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 04 اعسطس 2026م19:35 بتوقيت القدس

وردٌ على العظام..

عندما يُزفّ الشهداء بعد ألفِ يومٍ من الغياب

04 اعسطس 2026 - 18:05
الصور بعدسة الزميل محمد بعلوشة
الصور بعدسة الزميل محمد بعلوشة

قطاع غزة:

بدا المشهد مهيبًا، طابور طويل وممتد من الأكفان التي لفّت بأعلام فلسطين تُحمل على أكتاف آلاف المُشيعين وتسير ببطء بين الركام، فيما ترشّ النساء الورود من نوافذ المنازل المهدمة الورود على الشهداء، وشبان يحملون الصور الملوّنة لأبناء المجزرة بعد انتشال رفاتهم التي علقت تحت الركام لأكثر من عامين ونصف. 

بعض الجثامين عادت كاملة، وبعضها لم يعد سوى بقايا عظام، فيما بقيت أسماء أخرى بلا أجساد، كأن الأرض ابتلعتها إلى الأبد، هذا ما حدث بعد بعد سبعة عشر يومًا من الحفر المتواصل، خرج جزء من شهداء عائلتي أبو شريعة والحساينة إلى النور، بينما بقي الجزء الآخر مفقودًا تحت أنقاض مربع سكني محته الأحزمة النارية من الخريطة.

تُعد مجزرة عائلتي أبو شريعة والحساينة في حي الصبرة بمدينة غزة من أكبر المجازر التي شهدها الحي خلال الحرب، بعدما استُهدف مربع سكني كامل بالأحزمة النارية في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ما أدى إلى تدمير المنطقة بالكامل وطمس معالمها تحت الركام.

وبسبب منع الوصول إلى الموقع لفترة طويلة، تعذر انتشال الشهداء منذ وقوع المجزرة، إلى أن بدأت طواقم الدفاع المدني عمليات الانتشال في الرابع عشر من يوليو/تموز 2026، واستمرت حتى الأول من أغسطس/آب 2026، وسط ظروف بالغة الصعوبة ونقص حاد في الإمكانات، إذ لم يتوفر سوى حفار واحد لإنجاز المهمة.

محمد أبو شريعة، يستعيد ما جرى ليلة المجزرة، قائلًا إن أفراد عائلته لم يُقتلوا في ضربة واحدة، بل في خمس مجازر متتالية.

في البداية -وفقًا لروايته-، اجتمعوا داخل أحد المنازل، معتقدين أنه سيكون أكثر أمانًا، لكنه تعرض للقصف، نجا من بقي حيًا، فهربوا إلى منزل آخر، لكنه استُهدف أيضًا، ثم لجؤوا إلى منزل مختار العائلة، بعدما ظنوا أنه المكان الأكثر أمنًا، قبل أن تمطره الأحزمة النارية بعشرات القنابل، لتختفي أجساد كاملة تحت الركام.

ويضيف: "شدة المتفجرات المستخدمة كانت هائلة إلى درجة أنهم تمكنوا من انتشال 112 شهيدًا فقط، بينما بقي آخرون بلا أثر"، وتابع أن بعض الجثامين "تبخرت" بفعل قوة الانفجارات، ولم يعد بالإمكان العثور عليها.

ووفق المعطيات الميدانية، أسفرت المجزرة عن استشهاد 308 أشخاص، بينهم 44 طفلًا دون السادسة عشرة، و37 امرأة، وأكثر من عشرة أشخاص من ذوي الإعاقة.

لكن حين وصلت طواقم الإنقاذ إلى المكان بعد أكثر من عامين ونصف، لم يكن أمامها سوى مربّع سكني كامل دفن تحت الركام، ويوضح هنا محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني أن طواقم الدفاع المدني عملت سبعة عشر يومًا متواصلة لانتشال الشهداء، في واحدة من أصعب المهمات التي واجهتها منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية، وسط مشاهد قاسية وإمكانات شبه معدومة، إذ لم يكن بحوزتها سوى حفار واحد لا يكفي للتعامل مع حجم الدمار.

ويؤكد أن الطواقم تمكنت من انتشال 112 شهيدًا فقط، فيما لا يزال 153 شهيدًا في عداد المفقودين، مشيرًا: "لا نعلم أين ذهبت جثامينهم"، في إشارة إلى حجم الدمار الذي أحدثته الأحزمة النارية وشدة القصف.

ويشدد على أن ما جرى يستدعي تحركًا عاجلًا لإدخال المعدات والآليات الثقيلة اللازمة، حتى تتمكن الطواقم من مواصلة البحث وانتشال من تبقى من الشهداء تحت الأنقاض.

انتهت عمليات الانتشال في الأول من أغسطس/آب، لكن المجزرة لم تنته بالنسبة للعائلات، فبينما وُوريت عشرات الجثامين الثرى أخيرًا، بقيت أسماء كثيرة معلقة بين قوائم المفقودين والركام، في انتظار حفار آخر، أو معجزة تكشف ما أخفته الأحزمة النارية تحت مدينةٍ لم يبق منها سوى الرماد.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير