شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م20:52 بتوقيت القدس

الحاجة أكبر بكثير من المتوفر..

حصارٌ يُطبق على صدر غزّة.. مرضى التنفّس بلا "أكسجين"!

08 فبراير 2026 - 08:41

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في أروقة مستشفيات قطاع غزة المحاصر، وفي أزقة الأحياء المكتظة، يتنفس المرضى قلقهم قبل أن يتنفسوا الهواء، بعدما تركت الحرب المدمّرة أثرها العميق على البنية التحتية الصحية، وخصوصًا محطات توليد "الأكسجين"، التي باتت شريان حياة مهددٍ بالانقطاع في أية لحظة.

انعكست هذه الأزمة بشكل مباشر على المرضى، لا سيّما المصابين بأمراض الجهاز التنفسي، وكبار السن، والأطفال، والمرضى المنوّمين في أقسام العناية المركزة.

وبين محاولات الطواقم الطبية المستمرة للسيطرة على الوضع، وقيود دولة الاحتلال التي تعرقل إدخال المعدات وقطع الغيار الخاصة بمحطات الأكسجين المدمرة والمتهالكة، يبقى المرضى وعائلاتهم في دائرة قلقٍ لا نهاية لها.

"تعاني ابنتي انسدادًا كاملًا في إحدى الرئتين، بينما تعمل الثانية بنسبة (50%)، وهذا يجعلها دائمة الحاجة للعلاج والحصول على الأكسجين".

خارج أسوار المستشفيات، تتجسد المعاناة بتفاصيل مُرّة. الطفلة ريناد الجدبة (13 عامًا) تخوض صراعها اليومي مع ما يُعرف بمرض "الأهداب"، الذي يُحدث خللًا دائمًا في الرئتين، ويجعل الحصول على "أكسجين نقي" مسألة حياة أو موت.

تشرح جميلة شعبان -والدة ريناد- في حديثها لشبكة "نوى"، أن ابنتها تعاني من انسداد كامل في إحدى الرئتين، بينما تعمل الأخرى بنسبة لا تتجاوز (50%)، ما يجعلها بحاجة دائمة للعلاج والحصول على الأكسجين كي تبقى على قيد الحياة.

وتقول بصوت يغلب عليه الأسى: "المرض أنهك صحتها وجعلها غير قادرة على الحركة والمشي، وهذا ما يجعل التوجه إلى المستشفيات أمرًا صعبًا، خصوصًا أننا نعيش في منطقة الزرقاء شرقي مدينة غزة، وهي منطقة مهمشة وقريبة من الخطر".

"قبل أيام أخذتها إلى العيادة. كانت بحاجة ماسة إلى الأكسجين، لكنني وقفتُ في طابور لمدة ساعة ونصف (..) كادت ريناد أن تفقد حياتها".

في معركة يومية تخوضها جميلة مع طفلتها للحصول على أكسجين يبقيها على قيد الحياة، تقطع الأم مسافات طويلة، وتتنقل بين المستشفيات، لكن ما يزيد قهرها هو طوابير الانتظار الطويلة من أجل "التبخيرة".

تستحضر موقفًا حدث معها قبل أيام، قائلة: "ذهبتُ إلى إحدى العيادات الطبية وكانت ريناد بحاجة ماسة إلى الأكسجين، ففوجئتُ بطابورٍ بقيت واقفة فيه لأكثر من ساعة ونصف حتى وصل دوري. كادت طفلتي أن تفقد حياتها".

ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، فالحصول على مواصلات توصلها إلى المستشفى يشكّل عبئًا إضافيًا، لتصبح معاناتها مركبة ومضاعفة.

وتستصرخ جميلة كل الجهات المعنية علّها تجد "آذانًا صاغية"، مردفةً: "أنا بحاجة ماسة إلى جهاز تبخيرة وأكسجين خاص بطفلتي، خصوصًا أنها تعاني أيضًا من سوء تغذية حاد يفاقم حالتها الصحية".

المعاناة ذاتها يعيشها الشاب عطا الله الهسي (30 عامًا)، الذي يعاني من مرض الربو الحاد في الصدر، إضافة إلى إصابته في الكلى، ما يجعل حاجته للأكسجين ملحّة من أجل البقاء على قيد الحياة.

يقول شقيقه محمد لشبكة "نوى": "يعاني شقيقي من أزمة حادة في التنفس، ونضطر لنقله إلى المستشفى بشكل شبه يومي، نتيجة نوبات مفاجئة تسبب له ضيقًا شديدًا في التنفس، حيث يتم التواصل مع الإسعاف لنقله إلى المستشفى بسبب عدم قدرته على الحركة".

ويوضح أن نوبات ضيق التنفس تشتد عليه في ساعات الليل، "وفي بعض الأحيان يتأخر وصول الإسعاف، ما يشكّل خطرًا حقيقيًا على حياته، وعند وصوله إلى المستشفى يتم وضعه على أجهزة التنفس لإنقاذ حياته بشكل عاجل".

"في بعض الحالات تأخرت تعبئة أنابيب الأكسجين الخاصة بالمرضى، ما استدعى تنويمهم ليلة أو أكثر داخل المستشفى إلى حين توفيرها".

من جهته، يقول رئيس قسم الأمراض الصدرية في مجمع الشفاء الطبي، الطبيب أحمد الربيعي: "التعامل مع المرضى في ظل تدمير عدد كبير من محطات الأكسجين بات تحديًا يوميًا للطواقم الطبية".

ويوضح الربيعي لـ"نوى"، أن المستشفيات تضطر إلى فرز المرضى وفق درجة احتياجهم للأكسجين، مضيفًا: "رغم وجود أزمة واضحة، إلا أن الوضع مسيطر عليه نسبيًا داخل مجمع الشفاء".

ويشير إلى أنه في بعض الحالات تأخرت تعبئة أنابيب الأكسجين الخاصة بالمرضى، ما استدعى تنويمهم ليلة أو أكثر داخل المستشفى إلى حين توفيرها.

ويلفت الربيعي إلى أن الفترة الأخيرة شهدت زيادة كبيرة في أعداد المصابين بأمراض الجهاز التنفسي، مثل الربو، والتهابات الجهاز التنفسي، والتليّف الرئوي، إلى جانب تفشي فايروس متحوّر عن الإنفلونزا بأعراض حادة، ما ضاعف الضغط على منظومة الأكسجين.

ويُطَمئِن إلى أنه لم تُسجَّل في مجمع الشفاء أي حالات وفاة أو مضاعفات نتيجة نقص الأكسجين، مؤكدًا أن الطواقم الطبية تبذل أقصى ما لديها لتوفير الأكسجين لكل مريض حسب حالته الصحية واحتياجه.

"قبل الحرب كان لدينا نحو 32 محطة توليد أكسجين، دُمّرت نحو 12 محطة بالكامل، فيما تعطلت محطات أخرى بسبب عدم توفر قطع الغيار".

بدوره، يوضح الوكيل المساعد لقطاع الهندسة والإنشاءات والتجهيزات الطبية في وزارة الصحة، المهندس بسام الحمادين، أن قطاع غزة كان يضم قبل الحرب نحو 32 محطة توليد أكسجين في المستشفيات الحكومية والأهلية.

ويؤكد أن جزءًا كبيرًا من هذه المحطات تعرض للقصف المباشر، ما أدى إلى تدمير غرف ومحطات الأكسجين نفسها. ووفق ما ذكره لـ"نوى"، دُمّرت نحو 12 محطة أكسجين بالكامل، فيما تعطلت محطات أخرى بسبب عدم توفر قطع الغيار.

ويشير إلى أن أربع محطات في مجمع الشفاء الطبي دُمرت كليًا خلال اجتياح المستشفى، إضافة إلى محطتين في المستشفى الإندونيسي، ومحطات في مستشفيات كمال عدوان، والدرة، والرنتيسي، وحيفا، والقدس.

ويكشف الحمادين أن قطع غيار جرى شراؤها منذ عامين ما زالت موجودة في الضفة الغربية، بانتظار السماح بإدخالها إلى غزة، رغم أن مؤسسة "نورواك" النرويجية المعنية بمحطات الأكسجين تكفّلت بشرائها وقدمت طلبات رسمية، إلا أن الاحتلال يماطل ويمنع إدخالها.

"نقص الأكسجين يشكّل كارثة حقيقية في الأقسام الحساسة مثل العناية المركزة، وحديثي الولادة، وغرف العمليات. انقطاعه لدقائق فيها قد يؤدي إلى وفيات مؤكدة".

هذا الواقع، وفق الحمادين، أدى إلى تعطل محطات كانت تعمل على مدار الساعة، بعضها قديم ويتجاوز عمره 20 عامًا، محذرًا من أن نقص الأكسجين يشكّل كارثة حقيقية، خاصةً في الأقسام الحساسة مثل العناية المركزة، وأقسام الأطفال وحديثي الولادة، وغرف العمليات.

ويؤكد أن انقطاع الأكسجين لدقائق معدودة في هذه الأقسام قد يؤدي إلى وفيات مؤكدة، مضيفًا: "نحن في فصل الشتاء، وموجة أمراض الجهاز التنفسي تضغط بشدة على منظومة الأكسجين، سواء في المستشفيات أو لدى المرضى في المنازل".

ويشدد على أن الوزارة وطواقمها يعملون ليلًا نهارًا لإيجاد حلول بديلة وإصلاح ما يمكن إصلاحه، "لكنها حلول مؤقتة لا تلغي جوهر الأزمة" يستدرك.

ويوجّه الحمادين نداءً عاجلًا إلى المؤسسات الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، للضغط على الاحتلال من أجل السماح بإدخال قطع الغيار ومحطات الأكسجين.

وبين وعود المانحين وتعنت الاحتلال، يبقى المرضى في غزة عالقين بين نقص الأكسجين وضيق الأمل، في معركة يومية من أجل البقاء على قيد الحياة.

كاريكاتـــــير