شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 01 يوليو 2026م21:10 بتوقيت القدس

كيف أعادت الحرب تشكيل سوق العمل في غزة؟

01 يوليو 2026 - 19:50

قطاع غزة:

"درست سنوات طويلة حتى أعمل في مجالي، واليوم أبحث عن أي عمل فقط لأطعم بناتي".. بهذه الكلمات يختصر أنيس ناجي، خريج الاقتصاد والعلوم السياسية، المسافة التي قطعتها حرب الإبادة الإسرائيلية في حياة آلاف الفلسطينيين داخل قطاع غزة.

قبل الحرب، كان أنيس يعمل مديرًا للعلاقات العامة في أحد مكاتب المحاماة شمال قطاع غزة، وبعد نزوحه من الشيخ رضوان إلى مواصي خان يونس، انتهى به المطاف خلف بسطة صغيرة يبيع عليها احتياجات بسيطة ليؤمن قوت أسرته.

وبالطبع، لم يكن انتقال ناجي من العمل المكتبي إلى البيع في الشارع خيارًا مهنيًا، بل محاولة لانتزاع المال لتدبير أمور أسرته، يقول: "لم نعد نبحث عن تحقيق أحلامنا، بل عن تأمين الاحتياجات الأساسية. الأسعار مرتفعة، وكل ما يشغل الإنسان اليوم كيف ينهي يومه بأقل خسائر".

وفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، انخفض الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة خلال عام 2024 إلى نحو 13% فقط من مستواه في عام 2022

ويضيف: "كل ما كنت أفكر فيه هو بناتي، كيف سأعيلهن وكيف سأحاول حمايتهن بإمكانات من العدم تحت هذه الحرب، لم أعد أفكر بغيرهن لذلك توجب علي البحث عن أي فرصة حتى ولو على بسطة صغيرة".

لم تكن قصة أنيس استثناءً، فالحرب التي سحقت المصانع والمحال والشركات، دفعت آلاف الخريجين وأصحاب المهن إلى ترك تخصصاتهم، واستبدالها بأعمال مؤقتة لا تشبه سنوات الدراسة ولا الخبرة التي راكموها.

وكان من بين المتضررين عدي علي، خريج إدارة الأعمال، الذي عمل قبل الحرب في مجال إدارة الشركات، وبعد نزوحه من غرب مدينة غزة إلى دير البلح، وجد نفسه ينتقل بين أعمال مؤقتة؛ بدأ مندوبًا للمبيعات، ثم وفر سيارة صغيرة يعمل عليها في التوصيل وبيع المنتجات.

اليوم يقود سيارته بين الأسواق والمخيمات، بعد أن كان يخطط لإدارة الشركات، يتحدث لـ"نوى": "كان لدي طموح أن أبني مستقبلي في تخصصي، لكن الحرب غيّرت كل شيء. لم يعد هناك مستقبل نفكر فيه، بل مصدر دخل يساعدنا على الاستمرار"، مضيفًا: "أصبح الإنسان يعمل أي شيء متاح، حتى لو كان بعيدًا تمامًا عن أحلامه".

أما المحامي محمود علي، فلم يغادر شمال القطاع، لكنه خسر مهنته أيضًا، فالمكتب الذي كان يمثل بداية مساره المهني استبدله ببسطة لبيع البقوليات، بعدما أصبحت ممارسة المحاماة شبه مستحيلة في ظل انهيار الحياة الاقتصادية.

يستعيد تلك الأيام قائلًا: "وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها تأمين الطعام معركة يومية. أتذكر عندما بلغ سعر حبة البندورة خمسين شيكلًا، وكنت أعمل ساعات طويلة حتى أستطيع شراء كيس طحين".

ولم يكن هذا التحول فرديًا، فوفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، انخفض الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة خلال عام 2024 إلى نحو 13% فقط من مستواه في عام 2022، بعد انهيار الاقتصاد بنسبة تقارب 83%، مع توقف معظم الأنشطة الإنتاجية وتدمير جزء كبير من البنية الاقتصادية

ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن غزة لم تشهد مجرد أزمة بطالة، بل تحولًا هيكليًا في اقتصادها. فمع تدمير المصانع والأراضي الزراعية والجامعات، واستمرار القيود على إدخال المواد الخام والوقود، انتقل الاقتصاد من الإنتاج إلى ما يصفه بـ"اقتصاد البقاء"، حيث أصبحت الأعمال المؤقتة والأسواق غير المنظمة البديل الوحيد لآلاف الأسر.

قدّرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات

ويضيف أن آلاف أصحاب المهارات فقدوا القدرة على ممارسة أعمالهم، بمن فيهم أكثر من 25 ألف عامل في قطاع العمل عن بُعد، نتيجة انقطاع الكهرباء والاتصالات، فيما تقترب معدلات البطالة من 80%، الأمر الذي أدى إلى تعطيل جزء كبير من الخبرات التي راكمها المجتمع الفلسطيني خلال سنوات.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية، بينما قدّرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، في ظل اقتصاد انكمش بصورة غير مسبوقة.

وبينما تتحدث التقارير عن عشرات المليارات اللازمة لإعادة الإعمار، يقف آلاف الخريجين في غزة أمام خسارة يصعب تقديرها بالأرقام؛ سنوات من الدراسة والخبرة لم تعد تحدد المهنة، بل صار البقاء وحده هو الوظيفة الوحيدة المتاحة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير