غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على بسطة شبه فارغة في سوق الشيخ رضوان، الذي لم يعد سوقًا بقدر ما صار ممرًا للانتظار، يجلس محمد عامر (36 عامًا) على كرسي بلاستيكي مهترئ. لا ينادي على بضاعته، ولا يمدّ صوته كما كان يفعل سابقًا. فالسوق لم يعد كما كان، والبيع لم يعد فعلًا يوميًا، بل مجرد فرصة ضعيفة للرزق. لا تحتوي بسطته سوى على القليل من أصناف البهارات، بينما تتكدّس خلفه حكاية خسارة أكبر من أي فراغ ظاهر.
كان محمد، برفقة إخوته، يدير شركة لاستيراد وتصنيع البهارات والمواد التموينية، ورث المهنة عن والده الذي عمل فيها لأكثر من أربعين عامًا. أسّسوا شركتهم الخاصة، وبنوا مصنعهم حجرًا فوق حجر، قبل أن يفقدوا كل شيء مع اجتياح الاحتلال حي الزيتون في يونيو/تموز الماضي.
يقول بصوت هادئ يخفي ثقلًا واضحًا: "كنت تقريبًا من أكبر التجار في مجال العطارة والاستيراد، لكن الحرب جعلتني أفقد كل ما أملك".
"أودعت في بداية الحرب قرابة نصف مليون دولار، لكنني اليوم غير قادر على سحب مئة ألف لمواكبة السوق".
لا يتحدث محمد فقط عن المصنع والمعدات، بل عن المال أيضًا؛ رصيد في أحد البنوك المحلية يصل إلى مئات آلاف الدولارات، عاجز عن الوصول إليه. يخبرنا: "أودعت في بداية الحرب قرابة نصف مليون دولار، لكنني اليوم غير قادر على سحب مئة ألف لمواكبة السوق".
نشأ محمد داخل عجلة الاقتصاد الطبيعية: شراء، بيع، خسارة، وربح. لكن مع اندلاع الحرب، وتعطّل الإنتاج، وانعدام القدرة الشرائية، وغياب فرص الاستثمار، أُخرجت شركته من الدورة الاقتصادية قسرًا. أصبح تاجرًا بلا بضاعة، وصاحب مال بلا قدرة على التصرّف، بينما ارتفعت الودائع في البنوك دون أن يتحرّك الاقتصاد.

تشير بيانات رسمية صادرة عن سلطة النقد الفلسطينية إلى ارتفاع ودائع عملاء البنوك في قطاع غزة بنسبة (178%) منذ بداية الحرب وحتى نهاية أغسطس/آب 2025م، حيث قفزت من 1.745 مليار دولار في أكتوبر 2023م إلى 4.84 مليارات دولار. أرقام تبدو للوهلة الأولى إيجابية، لكنها في الواقع تعكس صورةً لاقتصاد صامت، جُمّدت فيه الأموال قسرًا بدل أن تدور في السوق.
مع اشتداد الحرب ودخول الاحتلال بريًا إلى القطاع، أقبل كثير من الأهالي على إيداع أموالهم داخل البنوك، خوفًا من القصف، أو السرقة، أو فقدان كل شيء مع النزوح المتكرر.
يقول محمد: "أودعت أموالي حين اشتد القصف على شمالي غزة، مدفوعًا بأحاديث الناس عن مداهمات المنازل، ومع اضطراري للتنقل بين مناطق مختلفة، بدا الإيداع الخيار الأقل خطرًا".
لكن مع كل إيداع جديد، كان السوق الغزي يخسر جزءًا من سيولته. تحوّل المال من أداة حركة إلى عبء، تمتلكه ولا تستطيع استخدامه.

ومع تفاقم أزمة السيولة، أصبح الحصول على النقد الورقي هاجسًا يوميًا، وبرزت ظاهرة "التكييش"، حيث يُجبر المواطن على دفع عمولات قد تصل إلى نصف المبلغ للحصول على بعض الأوراق النقدية.
ولا تقتصر المعاناة على التجار. حسن إبراهيم، أحد العاملين في الجامعات الخاصة، واجه صعوبة مماثلة في سحب راتبه منذ بداية الحرب، خصوصًا مع ارتفاع التكييش إلى نسبة عمولة تضاهي (50%). اضطر إلى ترك رصيده في البنك، وسحب القليل عند الضرورة القصوى. يقول: "منذ بداية الحرب لم أسحب سوى مرات قليلة. حين ارتفعت العمولة، اتفقت مع زوجتي على بيع الذهب بدل السحب، وكتبت لها حقها على ورقة، على أمل أن تعود الأمور يومًا ما لسابق عهدها".
على مدار عامين، وجد حسن وغيره أنفسهم يضيفون أرقامًا جديدة إلى الودائع، دون قدرة حقيقية على استخدامها، ما عمّق الأزمة بدل أن يخففها. يصف الصحفي الاقتصادي أحمد أبو قمر ما يحدث بأنه "اقتصاد مكبوت"؛ أموال بلا حركة، وودائع بلا استثمار، ونظام مالي منفصل عن الواقع الميداني.
أبو قمر: "ارتفاع الودائع لا يعني نموًا، بل توقف عجلة الإنتاج والاستثمار، وهو مؤشر على عمق الأزمة الاقتصادية في غزة".
ويشير إلى أن هروب رؤوس الأموال إلى البنوك في بداية الحرب كان بدافع الخوف، خاصة بعد فقدان كثير من التجار مبالغ كبيرة مع تدمير منازلهم ومحالهم. "ارتفاع الودائع لا يعني نموًا، بل توقف عجلة الإنتاج والاستثمار، وهو مؤشر على عمق الأزمة الاقتصادية في غزة".
بين انفراجات محدودة وحصار مطبق، يعيش الغزيون في حالة انتظار دائمة، يؤجلون قراراتهم الأساسية: شراء، وبناء، واستثمار، وحتى الاستقرار. أموال حاضرة في الحسابات، غائبة عن الحياة، واقتصاد عالق بين الخوف والأمل.
























