شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 28 يونيو 2026م20:55 بتوقيت القدس

خياطو غزة: النبش في الأنقاض عن ليلة العمر

28 يونيو 2026 - 19:03

قطاع غزة:

تحت الخيمة التي تحولت إلى مشغلٍ قسريّ في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، تجلس الخياطة النازحة ريهام أبو عودة لتنجز أصعب مهمة غسيل ورتق؛ تزيح غبار الركام والبارود عن فستان زفاف أبيض، استُخرج من تحت أنقاض معرض دمرته الحرب.

وبرفقة شقيقتها نور، تمسك ريهام الإبرة لتعيد هندسة الثوب المترب وتمزيقه، محاولةً تطويعه ليتماشى مع قصات الموضة العصرية، كي يصبح صالحًا لصالونات التأجير التي تزدحم بالفتيات المقبلات على الحياة وسط الموت.

تقول ريهام لـ "نوى" إن ما يدفعها لهذه المشقة هو الحصار المطلق؛ فالاحتلال يمنع دخول الفساتين الجديدة منذ ثلاث سنوات، لكن، ومع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في أكتوبر 2025، انفجر الطلب فجأة على اللون الأبيض، وكأن الناس يهرعون لتعويض سنوات الموت بالزواج.

هذا الاندفاع، حفّز الخياطين لإعادة إحياء الأثواب القديمة والبالية، قد تستغرق ريهام شهرًا كاملًا لتأهيل فستان واحد، تغرق في تفاصيله الدقيقة كي يخرج بالشكل الذي يليق بليلة العمر، ولا يقتصر جهدها على العرائس، بل يمتد لفساتين الأطفال التي باتت مطلبًا ملحًا مع عودة المناسبات الاجتماعية والأفراح إلى غزة المثخمة بالجراح.

ولعلّ هذا العناد في ممارسة الحياة يواجه سياسة إسرائيلية ممنهجة تعمدت، منذ بداية حرب الإبادة في السابع من أكتوبر 2023، تدمير كل مقومات العيش، ومنع الغزيين من استيراد أبسط مستلزمات الفرح.

في شمال القطاع، يقف عاطف أبو وردة، صاحب محل لتأجير فساتين الزفاف، ليروي كيف دُمر معرضه في بداية الحرب واضطر للنزوح جنوبًا، وبعد الهدنة، عاد إلى الشمال وراودته فكرة استئناف عمله، لكن القيود الإسرائيلية وقفت حائلًا أمام استيراد الفساتين الجاهزة أو حتى الأقمشة.

اضطر أبو وردة للنبش في السوق المحلية عن الفساتين القديمة، يشتريها ليعيد ترميمها عبر ورشة خياطة نسائية، مصطدمًا بجدار من المعوقات؛ فالأقمشة تضاعفت أسعارها لأكثر من خمسة أضعاف، والكريستال والخرز مفقودان، والكهرباء غائبة، وحتى ماكينات الخياطة باتت عملة نادرة بعد أن دمر جيش الاحتلال معظم المصانع.

هذا الشح المجنون قفز بأسعار التأجير، فالفستان الذي كان يُؤجر بـ1000 شيكل/300 دولار قبل الحرب، تجاوز سعر تأجيره اليوم عتبة الـ2000شيكل/600 دولار وأكثر.

ورغم هذه الدوامة، ينبت الأمل في مكان آخر؛ ففي ورشة صغيرة بخان يونس جنوبًا، نجح الشاب أمير الرنتيسي، مستعينًا بخبرة شقيقته نسرين، في صناعة فساتين زفاف للأطفال.

يتحدث لـ "نوى" بنبرة تلخص واقع الحال: "نشتري الفساتين البالية من تحت الأنقاض ونحصل على القماش بشق الأنفس وبأسعار خيالية لنعيد تشكيلها مجددًا"، ولم تكن المهمة سهلة قط، لكن الشقيقين أخذا على عاتقهما المضي في هذه المهنة لتأمين لقمة العيش، ولتهريب الفرحة إلى قلوب الصغار وسط ركام البلاد.

يتحمل أمير مشقة الطريق بين خان يونس ومدينة غزة إذ صارت تسمى "سفرًا" لصعوبة المواصلات نتيجة الحصار، متنقلًا بشكل شبه يومي وسط طرقات مقطوعة، بحثًا عن خيط أو قطعة قماش بلون محدد، وحين يجد ضالته، يصطدم بأسعار جنونية ارتفعت خمسة أضعاف عما كانت عليه قبل الإبادة.

يمسك أمير طرف ثوب مائل للرمادي ويختم: "المسألة لم تعد مجرد مهنة لتأمين لقمة العيش وسط هذا الحصار الممتد، بل أصبحت عنادًا؛ نحن نسرق الفرح سرقة من تحت الركام لنهديه لهؤلاء الأطفال، وكأننا نثبت للعالم أن إبرة الخياطة في غزة قادرة على رتق كل ما مزقته الحرب".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير