شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م01:57 بتوقيت القدس

صورتان لأعراس "الحرب".. ضحكات "حب" وزغاريد "وداع"!

12 يونيو 2025 - 12:39

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

ما زالت أم فادي شبير، تتذكر كيف صدحت بزغرودتها في قاعة "الوداع" بمجمع ناصر الطبي بخانيونس، جنوبي قطاع غزة، أمام جثث ابنها "العريس" فادي وشقيقيه.

تذكر تمامًا كيف صرخت تناجي الله بصوتٍ مقهور: "بعتلك تلاتة يا الله، بعتلك تلاتة يا الله".

فادي (22 عامًا)، وحُذيفة (21 عامًا)، وسعيد، الذين استُهدفوا داخل صالون حلاقة بينما كانوا يتجهزون لخطوبة فادي، أول عريس في عائلته وبكر أمه. الخلوق المحبوب، الذي قرر الزواج من فتاةٍ وحيدة، استشهد أفراد عائلتها بعد استهداف منزلهم بالمدينة الجنوبية.

وبحرقة قلبها تتحدث أم فادي عن فادي وشقيقيه، وحماسهم الذي لا يمكن وصفه لذلك اليوم، وكيف خرجوا ثلاثتهم إلى صالون الحلاقة يتمازحون ويضحكون، قبل أن يباغتهم صاروخٌ غادر، فيقتل الحلم والفرحة، ويحول لحظة الفرحة إلى مأتم.

تصرخ السيدة بأسى: "قتلوا حلمه وفرحة عروسه. اغتالوا الحاضر والمستقبل، وأعدموا قلبي بفقدان أبنائي الثلاثة".

في غزة، كثيرون عقدوا قرانهم أو تزوجوا، لكن الحرب قطعت على آمالهم الطريق.. منهم من استشهد تحت القصف قبل أن يرى طفله الأول، ومنهم من ودّعته عروسه بعد أيامٍ فقط من زفافٍ أقيم دون زغاريد احترامًا لحرمة الشهداء.. حتى الناجين منهم، يعيشون الفرح ناقصًا، مشوبًا بالخوف تحت أزيز الطائرات.. كل فرحٍ هنا بات مهددًا بصاروخٍ، وكل حلمٍ يتأرجح على شفا الانهيار، طالما أن الحرب مستمرة.

تجهيزات العروس

وتواجه العرائس المقبلات على الزواج ظروفًا قاسية وغير مسبوقة، الحصار والقصف أثرا بشكل مباشر على حركة الأسواق، مما جعل شراء مستلزمات الزواج أمرًا بالغ الصعوبة، حيث ارتفعت أضعافًا مضاعفة عمّا كانت عليه قبل الحرب، في وقت فقد فيه الكثيرون مصادر دخلهم وبيوتهم ومعنى الأمان.

الكثير من المحال أغلقت أبوابها بسبب نقص البضائع أو تضررها من القصف، ومع ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية عالميًا ومحليًا، أصبح شراء الشبكة عبئًا ثقيلًا لا تقوى عليه معظم العائلات.

تروي الفتاة مادلين النجار لـ"نوى" بحسرة أنها اضطرت لشراء الضروريات فقط من جهاز العروس، ليس فقط بسبب الأسعار المرتفعة، بل أيضًا لأنها تخشى النزوح من مكانها في أية لحظة، ولا تستطيع حمل أكثر من حقيبة صغيرة معها، تقول: "ما في ضمان نضل بمكاننا، فكيف بدي أشتري أغراض أعرف إني ممكن أتركها خلفي بأي وقت؟".

تحدت مادلين الظروف التي يمكن أن تمنعها من مراسم فرح بسيطة وسط الدمار والخوف، وتخبرنا: "ارتديت فستانًا أبيض، ذهبت لصالون تجميل، قمت بدعوة الأقرباء واحتفلت بحدود".

وتُضيف النجار: "استلمت مهري عبر التطبيق البنكي، بسبب أزمة السيولة الخانقة التي تضرب غزة، رغم أن نسبة العمولة وصلت إلى 40%، وهو رقم يفوق قدرة معظم العائلات المنهكة أصلًا".

وتحاول العرائس وأسرهن التكيف مع هذه الظروف، عبر الاكتفاء بالمستلزمات الأساسية، أو استبدال الذهب ببدائل أرخص "رمزية"، بينما تحلم الكثير من الفتيات بيوم زفافٍ آمن، بعيد عن أجواء الخوف والدمار.

بين عدستين.. فرح وموت

قبل الحرب، كانت إيمان موسى مصورة الأفراح، تعرف جيدًا كيف تقتنص لحظات الفرح بعدستها، كانت العروس تتألق بثوبها الأبيض، تضحك بحياء وهي تهمس في أذن عريسها.. تتلقف دموع أمها المتأثرة، وتلاحق ضحكة طفل يركض بين الزينة والموسيقى. كانت الكاميرا وسيلتها لالتقاط نبض الحياة، وللحفاظ على الذكريات التي تبقى شاهدة على بداية الحب والأمل.

تشير إيمان إلى أنها وجدت نفسها اليوم، تقف أمام مشاهد لم تحلم يومًا أنها ستوثقها، وتقول: "أعيش تناقضًا مرعبًا! كيف يمكن لعدستي أن تلتقط زفة عروس وجنازة شهيد في آن؟"، مستدركةً: "لكن مع الوقت أدركت أنني لا أعيش تناقضًا بقدر ما أعيش مراحل مختلفة من الحياة ذاتها".

وتردف: "الفرح والموت ليسا ضدين، بل وجهان لعملة واحدة، فكل صورة، سواء لحظة ولادة حب أو لحظة وداع، تحمل رسالة إنسانية (..) في كثير من الأحيان أصمت، أحيانًا أبكي بعد التصوير، وأحيانًا أعود فأشاهد صور الأعراس لأتذكر أن الناس -رغم كل شيء- يعودون لممارسة الفرح، وهذا بحد ذاته مقاومة".

وعن أكثر صورة أثرت بإيمان، وتناقلها رواد مواقع التواصل الاجتماعي: صورة  الصحفي أيمن الجدي، حين خضع لجلسة تصوير تجهيزات حمل زوجته بابنه الأول، قبل أن يستشهد برفقة عدد من زملائه الصحفيين على بوابة مشفى العودة، وسط قطاع غزة، بينما كان ينتظر ولادتها لابنه البكر، الذي لم يره أبدًا.

التصوير لم يعد مجرد مهنة بالنسبة لإيمان، صار شهادة حيّة تقول للعالم: "نحن هنا، نحن بشر، نحب، نحلم، نتألم، ويجب أن يسمع أحد صوتنا، وأننا نستحق الحياة ما استطعنا إليها سبيلًا".

كاريكاتـــــير