الضفة الغربية:
اللي أكله مش من فاسه، شوره مش من راسه".. قالتها جدّة فلسطينية في زمنٍ ما، لم يكن فيه "الشور" يُطلب من شاشة، ولا يُستخرج من خوارزمية، ولا يُبنى على مئات النتائج المقترحة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. كان الشور آنذاك مرتبطًا بمن حرث الأرض، وجرّب الخسارة، وراقب المواسم، وتعلّم من الخطأ قبل الصواب.
في زمن الجدّات، كان المثل يسبق أي جدال، بخلاف اليوم الذي صارت فيه شاشة صغيرة في اليد قادرة على الإجابة عن كل شيء تقريبًا، وذكاء اصطناعي بات مصدرًا جديدًا للمعلومة والمشورة، في عالم تتراجع فيه المساحات التي كانت تُتداول فيها الحكايات والأمثال.
هكذا كانت الحكمة تُتداول قبل، كان يكفي أن يخطئ أحدهم فيُقال له: "اللي أكله مش من فاسه، شوره مش من راسه"، أو أن يطول انتظاره لشيءٍ فلا ينال منه إلا القليل، فيسمع: "صام صام وأفطر على بصلة، أما الحق، فكان له مثلٌ جاهز يسبق المرافعات كلها: "صاحب الحق عينه قوية".
في زمن الجدّات، كان المثل يسبق أي جدال، بخلاف اليوم الذي صارت فيه شاشة صغيرة في اليد قادرة على الإجابة عن كل شيء تقريبًا
على هذا النحو، عاشت الأمثال الشعبية الفلسطينية قرونًا بوصفها لغةً موازية للحياة؛ وتنقل خبرة الكبار إلى الصغار في جملة واحدة، لكن هذه الجمل التي نجت من الزمن والحروب والهجرات، تواجه اليوم اختبارًا مختلفًا يتراجع فيه حضور المجالس التي كانت الأمثال تولد وتُروى فيها، فهل تستطيع هذه الحكمة الشعبية أن تجد لها مكانًا في العالم الرقمي، أم أنها تغادر المشهد بصمت مع الجيل الذي حفظها عن ظهر قلب؟
في لقاء خاص مع الباحث الفلسطيني ممدوح البري، يقول لنوى إن الأمثال الشعبية تعد أحد أهم أوعية الذاكرة الجمعية، فهي تختزل تجارب الناس وخبراتهم المتراكمة عبر الأجيال في عبارات موجزة وسهلة الحفظ والتداول، ما منحها قدرة استثنائية على البقاء والاستمرار رغم تغير الأزمنة.
ويضيف: "حملت الأمثال الفلسطينية تفاصيل الحياة اليومية، ولا سيما البيئة الريفية التي تشكلت فيها معظم هذه الأمثال، وتناولت علاقة الإنسان بالأرض والزراعة والعمل والأسرة والجوار، ووثّقت أحوال الطقس والمواسم وكل ما أثر في حياة الناس ومعاشهم".
حملت الأمثال -بحسب البري-، منظومة القيم التي حكمت المجتمع الفلسطيني لعقود طويلة، مثل التعاون والصبر واحترام الكبار والتمسك بالأرض والحفاظ عليها، وأسهمت في نقل هذه القيم من جيل إلى آخر، فقالوا: "الأرض كالعرض، واللي ماله كبير يشتري له كبير، وإيد عل إيد رحمة".
ويؤكد أن الأمثال الشعبية تختزن ذاكرة المكان والهوية والجغرافيا والهمّ الشعبي الفلسطيني، إلا أن التحولات الاجتماعية المتسارعة وتراجع نمط الحياة الزراعي التقليدي أسهما في انحسار حضورها بين الأجيال الجديدة، التي لم تعش تجربة الأسرة الممتدة ولا مواسم العمل الجماعي في الأرض والحصاد ورعاية المواشي، وهي البيئات التي شكلت الحاضنة الطبيعية لتداول هذه الأمثال واستمرارها.
أسهمت الأمثال في نقل هذه القيم من جيل إلى آخر، فقالوا: "الأرض كالعرض، واللي ماله كبير يشتري له كبير، وإيد عل إيد رحمة".
أما الحاجة حليمة أبو عابد (78 عامًا) من إحدى قرى محافظة طولكرم شمال الضفة الغربية، فتستعيد ذاكرة زمن كانت فيه الأمثال الشعبية جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة، فقد كان لكل شيء وصفه، ولكل عمل حكمته المتوارثة.
تعقب أن والدها كان يردد أمثالًا وأوصافًا مرتبطة بأشهر السنة، مثل: "في تموز، بتغلي الميه في الكوز"، و"شباط الخباط، بشبط وبخبط وريحة الصيف فيه"، و"حزيران شهر البسط والكيف، أوله ربيع وآخره صيف".
إلى جانب أمثال تتصل بالعمل الزراعي مثل: "أحصد بدري قبل ما تيجي الشوبة"، و"الزيتون زيته طيب ولقاطه بشيّب"، و"اللي بزرع قمح بحصد قمح". أما والدتها فكانت تردد أمثالًا اجتماعية وتربوية من قبيل: "ترباية الصبيان مثل قرط الصوان"، و"لولا الغيرة ما حبلت الأميرة"، و"همّ يبكي وهمّ يضحك".
وترى أبو عابد أن هذه الأمثال بدأت تتراجع مع تغير أنماط الحياة، قائلة إن الأجيال الجديدة لم تعد تعرف كثيرًا عن فلاحة الأرض أو الموروث الشفهي المرتبط بها، بعد تغير نمط الحياة جذريًا.
تتنهد وهي تسترجع تلك الأيام لافتة: "كانت الحياة أصعب مما هي عليه اليوم، لكنها كانت تحمل حلاوة لا تُنسى.. سقى الله أيام زمان!"
وتفسر معلمة التاريخ الخمسينية أمينة عودة تراجع جريان الأمثال الشعبية على الألسن: "لم تعد الأمثال الشعبية تحظى بالمكانة التي كانت تحتلها في حياة الناس اليومية، في ظل التحولات الثقافية والتكنولوجية التي أعادت تشكيل مصادر المعرفة والتواصل".
وتستكمل فكرتها بالإشارة إلى أن مفردات الشباب اليوم باتت تُستمد بدرجة كبيرة من الفضاء الرقمي، الأمر الذي أضعف حضور الموروث الشفهي في أحاديثهم، وتردف: "يمضي الشاب ساعات طويلة يتنقل بين الفيديوهات ومنصات التواصل، فيتعرض لعشرات الرسائل والصور والأفكار، دون سماع مثل شعبي واحد من كبار السن كما كان يحدث في السابق".
وتبين عودة أن كثيرًا من الأطفال واليافعين لم يعودوا قادرين على فهم أمثال وعبارات شعبية كانت مألوفة ومتداولة على نطاق واسع قبل سنوات، رغم ما تختزنه من معانٍ تربوية وخبرات حياتية متراكمة، جازمة أن تراجع تداول الأمثال لا يعني انتهاء دورها أو فقدان أهميتها، بل يفترض البحث عن صيغ جديدة لإحيائها.
ولدى سؤال الحاج أبو ناصر الأحمد (74 عامًا) من إحدى قرى محافظة بيت لحم عن حضور الأمثال في الماضي، يستعيد صورة الحياة الاجتماعية التي كانت تحتضن هذا الموروث، موضحًا أن الأمثال الشعبية شكّلت رافدًا أساسيًا في بناء وعي الأجيال السابقة وصياغة نظرتها إلى الحياة.
رُددت أمثلة مرتبطة بأشهر السنة، مثل: "في تموز، بتغلي الميه في الكوز"، و"شباط الخباط، بشبط وبخبط وريحة الصيف فيه"، و"حزيران شهر البسط والكيف، أوله ربيع وآخره صيف".
ويزيد: "كانت العائلة الكبيرة تجتمع بشكل شبه يومي في السهرات والأمسيات، وتتردد الحكايات الشعبية على ألسنة الكبار، تتخللها الأمثال في أجواء ممتعة وقريبة من الناس".
ويرى أن التكنولوجيا وسّعت بلا شك فرص التعلم والمعرفة أمام الأجيال الجديدة، لكنها في المقابل أبعدتهم عن كثير من الحكمة الشعبية التي أسهمت لعقود طويلة في تشكيل الشخصية وفهم الحياة.
من جانبه، يربط الباحث في الأدب الشعبي الفلسطيني طارق حميدي تراجع حضور الأمثال الشعبية بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة.
ويوضح أن المثل الشعبي لا يولد بمعزل عن واقعه، بل يأتي استجابة لظروف وتجارب محددة، ولذلك قد تختلف الأمثال أحيانًا أو حتى تتناقض تبعًا لاختلاف البيئات والخبرات الإنسانية، كما في المثلين: "الأقارب عقارب" و"عمر الدم ما بصير ميه".
ويشير إلى أن كثيرًا من الأمثال تراجع تداولها مع اختفاء البيئات والمفردات التي نشأت فيها، إلى جانب تأثير التكنولوجيا وتراجع التواصل المباشر بين الأجيال، لكنه يؤكد أن الأمثال الشعبية لم تختفِ فعليًا، بل تبدلت طرق انتشارها وتداولها، لتجد لها حضورًا جديدًا في المحتوى الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
ويختم الباحث بأن اندثار بعض الأمثال يقابله ظهور أمثال وتعبيرات جديدة تعكس تحولات المجتمع وأسئلته الراهنة، فيما تظل الأمثال، قديمها وحديثها، أداة فعالة للتعبير المكثف واختزال المواقف والتعليق على القضايا العامة.
























