غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن معركة العلاج التي خاضتها عائشة السلطان (16 عامًا) خارج قطاع غزة مجرد محاولة للنجاة من إصابة خطيرة، بل كانت بداية رحلة فقدٍ لم تكن تتخيل أن تدفع ثمنها وحدها.
خرجت على أمل أن تعود إلى بيتها وقد استعادت عافيتها، لكن الحرب كانت أسرع من أحلامها، وبينما كانت تصارع الألم في غرف العلاج، كانت عائلتها تخوض معركة أخرى انتهت باستشهادهم جميعًا، لتعود عائشة بعد عام كامل وهي تبحث عن الوجوه التي ودعتها، فلا تجد سوى الغياب.
وصلها الخبر عبر رسالة على تطبيق "واتساب"، لم تصدق ما قرأت في البداية، وتمسكت بأمل صغير أن يكون أحد أفراد عائلتها قد نجا. تقول: "كنت أتمنى ألا يكونوا استشهدوا جميعًا، وأن يبقى لي شخص واحد على الأقل. شعور أن تبقى وحدك في هذا العمر، وأنت جريحة ومصابة، مؤلم جدًا".
ولا تزال آخر لحظة جمعتها بعائلتها حاضرة في ذاكرتها كما لو أنها حدثت بالأمس: لحظة الوداع قبل السفر للعلاج. تستعيدها بصوت يختلط فيه الحنين بالألم: "كنت أتمنى أن أتعالج، لكنني في الوقت نفسه كنت أتمنى أن أبقى في حضن أهلي".
بدأت رحلة العلاج من مستشفى الشفاء، بعدما حملها عمها إليه في ظل الحصار، وهناك أمضت ثلاثة أيام على الأرض بسبب امتلاء المستشفى وعدم توفر أسرّة للجرحى.
وبعد فحص إصابتها، أوصى الأطباء ببتر قدمها، غير أن عائلتها رفضت القرار، متمسكة بالأمل في إنقاذها، وبعدها غادرت قطاع غزة إلى مصر عبر جنوب القطاع على كرسي متحرك، في رحلة تصفها بأنها كانت أقرب إلى العبور بين الموت والحياة.
تضيف: "الطريق كانت مدمرة، والدبابات في كل مكان، ولو سقط منك شيء ونزلت كي تلتقطه، من الممكن أن تموت بأي لحظة."
أمضت عائشة قرابة عام تتلقى العلاج خارج غزة، ولم يكن يشغلها سوى موعد العودة، فقد كانت تؤمن أن الغربة، مهما اشتدت، تبقى أهون من الحرب بعيدًا عن الأهل.
تعقب: "كنت أقول دائمًا إن الحرب مع الأهل أهون من الغربة وأنا وحدي"، لكن العودة حملت لها ما لم تستطع احتماله.
على الجانب الآخر، لم يكن في استقبالها سوى عمتها، أما الوجوه التي كانت تعد الأيام للقائها، فقد سبقتها إلى السماء. تقول: "كنت أتمنى أن أجد أهلي بانتظاري، لكنني عدت ولم أجد أحدًا".
"أشعر أن دعواتهم ترافقني، وأريدهم أن يروني قوية وأن أكمل حياتي".
وتؤكد أن جرح الإصابة، على قسوته، لم يكن الأصعب في حياتها، فالفقد كان أعمق من أي ألم جسدي. تقول: "الإصابة كانت صعبة، لكن فقدان أهلي كان أصعب. شعرت وكأن جزءًا من روحي انتزع مني. كنت أعتقد أنني تعافيت من جرح الإصابة، لكنني عدت إلى حياة تشبه الكابوس الذي لم أستيقظ منه".
ورغم قسوة الفراق، ما زالت تخاطب عائلتها بكلمات تمزج الحزن بالفخر، قائلة: "كان الفراق صعبًا جدًا، لكنني فخورة بكم لأنكم شهداء."
وتجد عائشة في أثر دعوات عائلتها التي تؤمن بأنها ما زالت ترافقها، ما يعينها على مواصلة الحياة، وتقول: "أشعر أن دعواتهم ترافقني، وأريدهم أن يروني قوية وأن أكمل حياتي".
"أتمنى أن يعوضني الله عن كل ما فقدته في حياتي، وأن أحقق حلم أهلي بأن أصبح طبيبة".
ولا تحتفظ بالأمل لنفسها فقط، بل توجه رسالة إلى الأطفال الذين يعيشون ظروفًا مشابهة، متابعة: "صحيح أن ما نمر به صعب، لكن الحمد لله على كل شيء. هذا اختبار كبير من الله، ويجب أن نصبر".
وتختتم حديثها بأمنية تختصر رحلتها كلها: "أتمنى أن يعوضني الله عن كل ما فقدته في حياتي، وأن أحقق حلم أهلي بأن أصبح طبيبة".
























