شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 14 يونيو 2026م17:57 بتوقيت القدس

في حضن أمه.. قتلت رصاصة إسرائيلية الرضيع سام

14 يونيو 2026 - 16:09

الضفة الغربية:

لم يكن سام قد تعلم الكلام بعد. سبعة أشهر فقط كانت تفصله عن يوم ولادته، ولم يكن قد امتلك من هذه الدنيا سوى أشياء قليلة؛ سرير صغير، بعض الألعاب البلاستيكية، ضحكة تعرفها أمه جيدًا، وإصبع يمدّه نحو ما يريد بدل الكلمات التي لم يتعلم نطقها بعد.

في هاتف جدته فريال، ما يزال مقطع مصور قصير يحتفظ بآخر ظهور له حيث كان يجلس الطفل بين ألعابه، يتمايل بجسده الصغير ويحدق في الكاميرا بفضول الرضع المعتاد، ولم تكن الجدة تعرف وهي تضغط زر التسجيل أن هذا المقطع سيصبح لاحقًا أثمن ما تملكه العائلة منه.

بعد ساعات فقط، كان سام يصارع الموت في غرفة العناية المكثفة، بينما كانت أمه المصابة ترقد في سرير آخر من دون أن تعرف بعد أن ابنها يبتعد عنها إلى الأبد، كيف تحوّل كل هذا الفرح إلى مأساة؟

والد الطفل: كانت السيارة متوقفة تمامًا ولم يكن هناك ما يستدعي إطلاق النار، لكن جنديًا وقف على بعد أمتار قليلة رفع سلاحه وأطلق رصاصة واحدة

في الخامس من حزيران/ يونيو لعام 2026، انتهت عطلة قصيرة قضتها الجدة في بيت ابنها فهد بمدينة بيت لحم، وقرر أن يعيدها إلى منزلها في تل الرميدة بالخليل، جلس سام في المقعد الخلفي بين ذراعي أمه، وجلس شقيقه كنان 12 عامًا إلى جوارهما، في رحلة عائلية تشبه عشرات الرحلات التي سبقتها، قبل أن تتوقف السيارة عند دوار الكرنتينا.

هناك، يقول فهد أبو هيكل والد الطفل سام، إنه أوقف المركبة بسبب وجود جنود إسرائيليين أمامه، رفع يديه فوق المقود ليُظهر أنه لا يحمل شيئًا، وأن داخل السيارة أطفالًا ونساءً، كانت السيارة متوقفة تمامًا ولم يكن هناك ما يستدعي إطلاق النار، لكن جنديًا وقف على بعد أمتار قليلة رفع سلاحه وأطلق رصاصة واحدة.

اخترقت الرصاصة الزجاج الأمامي للمركبة، ثم يد فهد الممسكة بالمقود، واصلت طريقها بعد ذلك نحو المقعد الخلفي، حيث كان سام في حضن أمه، أصابت رأسه الصغير، ثم استقرت شظايا منها في وجه والدته وصدرها.

يتحدث الرجل بأن أصعب ما يمكن أن يراه أب هو أن يتحول طفله خلال ثوانٍ من كائن يملأ السيارة حركةً وضحكًا إلى جسد يحمله راكضًا نحو المستشفى، ويزيد: "سام أكمل شهره السابع يوم استشهاده تقريبًا، كان طفلًا محببًا للجميع، يبتسم لكل من يقترب منه وكأنه يعرفه منذ زمن".

أما والدته، فما تزال تتذكر الصرخة التي خرجت منها لحظة الإصابة، لم ترَ الرصاصة، لكنها رأت أثرها فورًا: "راح الولد"، كانت تلك الكلمات الأولى التي صرخت بها قبل أن ينتزعه والده من بين ذراعيها ويهرع به بحثًا عن النجدة.

استمرت محاولات إنقاذ سام أربع ساعات كاملة، كانت العائلة تتشبث خلالها بأي احتمال، مهما كان ضئيلًا، لكن الطفل الذي لم يتعلم بعد نطق اسمه، غادر الحياة قبل أن يكمل عامه الأول.

وأما الجدة فتخبرنا بأن أقسى لحظات الحدث هو ما واجهته العائلة عند إبلاغ والدته بها، كانت الأم ما تزال تعاني من إصاباتها، فيما حاول أفراد الأسرة والطواقم الطبية تأجيل الخبر قدر الإمكان، وحين عرفت أخيرًا، كان عليها أن تواجه ما لا ينبغي لأم أن تواجهه؛ أن تودع طفلها من سرير المستشفى قبل أن يوارى الثرى.

وتستعيد الجدة طباع حفيدها الصغيرة التي أصبحت الآن ذكريات، "كان هادئًا، قليل البكاء، يشير بيده إلى ما يريد، ويعرف أفراد العائلة احتياجاته من حركة عينيه قبل أن يحاول التعبير عنها". تقول إن سام قُتل قبل أن ينطق حروفه الأولى، لكن قصته تحدثت بدلًا عنه.

في تل الرميدة، حيث تعيش العائلة منذ سنوات طويلة، تعتبر الحواجز العسكرية جزء من تفاصيل الحياة اليومية القاسية في الطريق إلى المنزل، والطريق إلى المدرسة، والطريق إلى العمل، ومنذ أشهر، أصبحت تلك الطرق أكثر ضيقًا، وأصبحت الحركة أكثر صعوبة، بينما يعيش السكان تحت شعور دائم بأن حياتهم ربّما تنتهي بأي لحظة على أيدي جنود الاحتلال عند هذه الحواجز.

نحو 1000 عائلة فلسطينية تقيم في محيط تل الرميدة والمسجد الإبراهيمي والمناطق القريبة من مستوطنة "كريات أربع"، باتت تعيش ما يشبه "السجن المفتوح

وما جرى لعائلة أبو هيكل لا يراه سكان تل الرميدة حادثة معزولة، فبحسب الناشط في تجمع شباب ضد الاستيطان عيسى عمرو، تعيش المنطقة منذ أشهر تحت إجراءات مشددة جعلت الحياة اليومية أكثر قبحًا على الفلسطينيين المقيمين فيها، وكل عائلة باتت تعرف أن خروجها من المنزل أو عودتها إليه قد يتحول إلى مواجهة غير متوقعة، فالناس يعيشون حالة ترقب دائمة، خصوصًا على أطفالهم.

يتابع عمرو إن نحو 1000 عائلة فلسطينية تقيم في محيط تل الرميدة والمسجد الإبراهيمي والمناطق القريبة من مستوطنة "كريات أربع"، باتت تعيش ما يشبه "السجن المفتوح"، في ظل الحواجز العسكرية والإغلاقات ومنع الزوار وصعوبة الوصول إلى المنازل.

ويعتبر أن عائلة أبو هيكل تمثل نموذجًا لما يعيشه السكان هناك، فحتى الوصول إلى البيت، الذي كان يتم سابقًا بالمركبة بشكل طبيعي، أصبح مهمة معقدة بعد إغلاق العديد من المداخل والطرق، مشيرًا "الخوف أصبح جزءًا من الحياة اليومية للسكان، الذين يشعرون بأنهم معرضون في أي لحظة لإطلاق النار من الجنود أو المستوطنين".

ويرى عمرو أن مقتل سام يأتي ضمن سلسلة أحداث شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، طالت الفلسطينيين في الخليل، إذ لا يمكن فصلها عن واقع يعيشه سكان هذه المناطق منذ سنوات، حيث تتقاطع الحواجز العسكرية مع عنف المستوطنين لتجعل أبسط تفاصيل الحياة اليومية أكثر صعوبة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير