غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة، وعلى مدّ البصر، تبدو الخيام كلها متشابهة: قماشٌ رماديٌ، وحبالٌ مشدودة، وأرضٌ رملية وأدخنة حطبٍ تسمم نسيم المكان.
تحت تلك الأقمشة، ومع اقتراب شمس أول أيام عيد الفطر المبارك، تحاول عائلات غزية أن تعيد اختراع فكرة البيت، ولو ليومٍ واحد، فالعيد الذي كان يبدأ سابقًا بفتح أبواب المنازل للزوار، بات يبدأ اليوم بمحاولة جعل الخيمة نفسها بيتًا، ولو مؤقتًا.
"لم أستطع أن أترك العيد يمرّ وكأنه يومٌ عادي. الأطفال كانوا يسألونني: أين زينة العيد؟ فقلت لنفسي إن الخيمة يمكن أن تصبح بيتًا، إذا حاولنا".
في خيمة صغيرة، مزّقتها رياح الخماسين البرتقالية التي زارت غزة قبل أيام، تنحني ريم فوق قطعة قماشٍ ملوّنة كانت انتشلتها من تحت ركام بيتها المدمر في المدينة الجنوبية. ثبتتها بخيطٍ على أحد أعمدة الخيمة، ثم علّقت حولها بالوناتٍ اشترتها من بائعٍ متجول مرّ بالمخيم قبل أيام.
تقول السيدة الثلاثينية لـ"نوى" وهي تحاول تعديل البالونات التي تتمايل مع الريح: "لم أستطع أن أترك العيد يمرّ وكأنه يومٌ عادي. الأطفال كانوا يسألونني: أين زينة العيد؟ فقلت لنفسي إن الخيمة يمكن أن تصبح بيتًا، إذا حاولنا".

قبل الحرب، كانت سلمى تستقبل العيد في شقتها الصغيرة بمدينة غزة، حيث تجتمع شقيقاتها في الليلة الأخيرة من رمضان لصناعة الكعك وترتيب الضيافة، "أما الآن، فقد تحولت تلك الطقوس إلى محاولات بسيطة لإحياء المعنى ذاته" تضيف.
وتتابع: "لم نعد نملك غرفة ضيوف ولا صالونًا، لكنني رتبت الخيمة كما لو كانت بيتنا القديم. وضعت الزينة في الأعلى، وفرشت بطانية نظيفة في الوسط، وقلت للأولاد: هذا صالون العيد".
حين انتهت من ترتيب الخيمة، جلست مع أطفالها تتأمل المكان. "شعرت للحظة أن الخيمة اتسعت قليلًا" تقول بابتسامةٍ خافتة، وتزيد: "ربما لأن الفرح عندما يأتي، لا يحتاج إلى جدران كثيرة."
وفي أحد مخيمات النزوحٍ قرب شاطئ دير البلح، وسط قطاع غزة، كانت هدى داوود تخوض تجربة مختلفة لصناعة العيد. فقد جمعت منذ أيام علبًا كرتونية فارغة من محال الإغاثة، وقصتها بعناية، ثم رسمت عليها نجومًا وأهلّةً بقلمٍ أزرق، وعلقتها بخيطٍ طويل داخل الخيمة.
تقول السيدة الأربعينية، وهي تشير إلى الرسومات التي صنعها أطفالها: "أردت أن يشعروا أن العيد جاء فعلًا. لم يكن لدينا زينة، فصنعناها بأنفسنا".
كانت هدى تعيش قبل الحرب في منزلٍ من طابقين مع عائلة زوجها. في كل عيد، كانت الساحة تمتلئ بالأقارب والضيوف، وتضج بأصوات الأطفال، وأغنيات العيد.
اليوم، تقلصت تلك المساحة كلها إلى خيمة لا تتجاوز بضعة أمتار. تزيد: "البيت كان واسعًا، لكن العيد لا يقاس بالمساحة. العيد يقاس بالناس الذين يجلسون حولك".
"حين رأيتهم يضحكون وهم ينظرون إلى الرسومات، شعرت أن الخيمة لم تعد مجرد مأوى، بل صارت مكانًا يمكن أن يولد فيه الفرح".
في مساء اليوم نفسه، جلست هدى مع أطفالها تحت الزينة الورقية التي صنعوها. أخرجت لهم بعض الحلوى البسيطة، وقالت إنها حلوى العيد "لعل أيامهم القادمة تكون بحلاوتها، وتنسيهم ما مروا به من قهر وجوع وحرمان خلال حرب الإبادة".
تقول: "حين رأيتهم يضحكون وهم ينظرون إلى الرسومات، شعرت أن الخيمة لم تعد مجرد مأوى، بل صارت مكانًا يمكن أن يولد فيه الفرح".
أما في شمال غزة، وتحديدًا في خيمة منصوبة قرب بقايا منزلٍ مدمر في حي الشيخ رضوان، فقد اختارت رانيا حمدان طريقة أخرى لصناعة عيد عائلتها.
أحضرت خيطًا طويلاً وربطت عليه عشرات الأكياس البلاستيكية الملوّنة، لتتحول إلى ما يشبه شرائط الزينة التي كانت تزين بها بيتها سابقًا.
أحضرت خيطًا طويلاً وربطت عليه عشرات الأكياس البلاستيكية الملوّنة، لتتحول إلى ما يشبه شرائط الزينة التي كانت تزين بها بيتها سابقًا.
تقول وهي تشير إلى الخيط الممتد بين عمودي الخيمة: "لم أجد زينة في السوق، فصنعت واحدة من الأشياء التي حولي."
رانيا، وهي أم لثلاثة أطفال، فقدت منزلها خلال القصف قبل أكثر من عام، ومنذ ذلك الوقت، تعيش مع أسرتها في خيمة أقيمت فوق أرضٍ كانت يومًا حديقة منزلهم".
تضيف: "في أول عيد بعد الحرب لم نفعل شيئًا. كنا جميعًا صامتين. هذا العام قلت لنفسي إن الحزن لن يعيد البيت".

في ليلة العيد، نفخت رانيا بعض البالونات القليلة التي استطاعت شراءها، وربطتها في سقف الخيمة. كان الأطفال ينظرون إليها بفرحٍ واضح، بينما تحاول هي إخفاء دموعها. تخبرنا: "البيت ضاع، لكنني لا أريد أن تضيع طفولة أولادي أيضًا."
وبين خيامٍ متقاربة تشبه بعضها، تتكرر هذه المحاولات الصغيرة في أكثر من مكانٍ بغزة. فالعائلات التي فقدت بيوتها، تحاول أن تعيد بناء فكرة البيت بوسائل بسيطة: خيط زينة، أو بالون، أو قطعة قماش معلقة على عمود خيمة.
في تلك التفاصيل الصغيرة، يعثر الغزيون على معنى آخر للعيد. ليس عيد البيوت الواسعة والموائد الكبيرة، بل عيد القدرة على خلق الفرح رغم ضيق المكان.
حين تتحول الخيمة إلى غرفة ضيوف مؤقتة، وحين تضحك مجموعة أطفال تحت زينةٍ مرتجلة، يصبح العيد أقرب إلى الحياة التي كانت، ولو بشكلٍ مؤقت.
























