شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 13 اعسطس 2026م15:56 بتوقيت القدس

غزة.. مركبات متعطلة ومولدات متوقفة

"ثمنٌ" لكل قطرة.. في مدينةٍ يطاردها العطش!

13 اعسطس 2026 - 15:15

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في مخيم النزوح الذي يقيم فيه غربي مدينة غزة، ينتظر الفلسطيني إبراهيم أبو عصر مركبات نقل المياه لتصل إلى مكان إقامته.

قبل أشهر، كانت تلك المركبات تأتي محمّلة بما يكفي لتخفيف بعض عناء النزوح، أما اليوم، فقد انقطع كثير منها عن العمل، بعدما أعجزها شح الزيوت والسولار وقطع الغيار عن مواصلة الطريق.

لم يعد أمام الرجل الخمسيني سوى أن يحمل حاجته على كتفيه، وأن يقطع يوميًا مسافة تقارب 400 متر برفقة اثنين من أبنائه، بحثًا عن 100 لتر من المياه لعائلته المكوّنة من ثمانية أفراد.

كمية تبدو كبيرة في ظاهرها، لكنها سرعان ما تتبخر أمام احتياجات الشرب والغسيل والاستحمام وسائر الاستخدامات اليومية، ولا سيما في صيف ترتفع فيه درجات الحرارة، ويصبح الماء ضرورة لا تحتمل التأجيل.

في مخيمات النزوح، حيث تتكدس العائلات تحت وطأة الصيف والحرب، تحوّلت قطرة الماء إلى حاجة ثقيلة، لا يضمن الوصول إليها سوى الانتظار أو السير لمسافات طويلة، بينما تتراجع القدرة على ضخها ونقلها يومًا بعد آخر.

يقول أبو عصر لـ"نوى": "مشكلة المياه من أكثر المشاكل التي تزيد معاناة النازحين في كل أنحاء قطاع غزة"، مضيفًا: "عدد من أصحاب مركبات نقل المياه ومحطات التحلية أخبرونا أن سبب توقفهم يعود إلى نقص مقومات العمل، التي يمنع الاحتلال الإسرائيلي إدخالها إلى القطاع.

غير بعيد عن ذلك، تعيش أنغام الديري معركة أخرى مع الماء. الأم التي تعيل خمسة أفراد في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة، فقدت زوجها قبل عام ونصف خلال حرب الإبادة، ومنذ ذلك الحين تحمل وحدها أعباء أسرتها، بما فيها مهمة تأمين المياه في وقت بات الحصول عليها أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تقول الديري لـ"نوى": "الوصول إلى المياه أصبح أمرًا في غاية الصعوبة، خاصة بالنسبة لي كأم لأطفال، أكبرهم يبلغ من العمر 11 عامًا".

وتتذكر أن مركبات المياه كانت تصل إلى مكان سكنها قبل نحو ثلاثة أشهر، وكانت تأتي قرابة خمس مرات أسبوعيًا، قبل أن يتراجع وصولها تدريجيًا حتى باتت تأتي مرة واحدة فقط في الأسبوع.

لكن انقطاع مركبات المياه لم يكن الضربة الوحيدة التي وصلت إلى بيتها، ففي المنطقة التي تسكنها، كان هناك مولد كهربائي يشغّل بئر مياه ويضخها إلى المنازل، وهي مياه غير صالحة للشرب، لكنها كانت تسد جانبًا من احتياجات السكان الأخرى، ثم توقف عن العمل، لتجد العائلات نفسها أمام أزمة مضاعفة، لا ماء يصل، ولا كهرباء تضخ ما هو موجود.

وتوضح الديري أن المولد تعرض لأعطال متكررة، فيما لم تعد قطع الصيانة متوفرة في قطاع غزة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السولار وغياب الجهات المانحة التي يمكن أن توفره مجانًا لتشغيل المولد وإعادة ضخ المياه إلى المنازل.

هكذا، تقلص ما تستطيع الأسرة الحصول عليه إلى 40 أو 50 لترًا من المياه فقط، وهي كمية حسب الديري، أقل من الحد الأدنى الذي تحتاجه الأسرة لتسيير يومها.

لا تتوقف أزمة المياه في قطاع غزة عند العائلات التي تنتظرها، بل تمتد إلى أولئك الذين كانت مهمتهم نقلها.

وفي مكان آخر من القطاع، لا تتوقف أزمة المياه عند العائلات التي تنتظرها، بل تمتد إلى أولئك الذين كانت مهمتهم نقلها.

هايل المناعمة (36 عامًا)، من دير البلح وسط قطاع غزة، كان يعمل برفقة شقيقه في نقل المياه إلى المواطنين، من محطات التحلية والآبار إلى مخيمات النزوح وأماكن التجمع.

كانا يمتلكان شاحنتي مياه، تتحركان يوميًا بين مصادر المياه ومئات العائلات التي تنتظر وصولهما، لكن الشاحنتين توقفتا منذ شهرين، إحداهما تحتاج إلى زيت محرك لم يعد متوفرًا، فيما أصاب الأخرى عطل في أجزاء من محركها، ولم يجد المناعمة قطع الغيار اللازمة لإصلاحها.

يخبر "نوى" أن الشاحنتين كانتا تمثلان "شريان حياة رئيسيًا لآلاف النازحين في المنطقة الوسطى"، إذ كانتا تنقلان يوميًا نحو 10 آلاف لتر من المياه إلى مئات النازحين والمواطنين. ومع ذلك، وجد وشقيقه نفسيهما أمام توقف قسري عن العمل، رغم وجود عقود سارية مع عدد من المؤسسات حتى نهاية العام.

دمرت الحرب الإسرائيلية على غزة أكثر من 210 آبار من أصل 320 بئرًا كانت موجودة في القطاع، فيما دُمّر ما يقارب 80% من محطات التحلية التي كانت تزود السكان بمياه الشرب.

لم تعد المشكلة، في وجود من يحتاج إلى الماء فقط، فالمياه نفسها باتت محاصرة في الآبار ومحطات التحلية، والمولدات التي تضخها، والمركبات التي تنقلها، وكل حلقة من هذه السلسلة باتت مهددة بالتوقف.

مدير عام سلطة المياه في قطاع غزة، منذر سالم، يقول لـ"نوى": " إن المواطنين يواجهون معاناة شديدة في الحصول على احتياجاتهم اليومية من المياه، نتيجة أزمات متراكمة بدأت بتدمير الآبار ومحطات التحلية، قبل أن تنضم إليها أزمات الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المركبات والمولدات".

وبحسب سالم، دمرت الحرب الإسرائيلية على غزة أكثر من 210 آبار من أصل 320 بئرًا كانت موجودة في القطاع، فيما دُمّر ما يقارب 80% من محطات التحلية التي كانت تزود السكان بمياه الشرب.

الأرقام التي كانت تبدو قبل الحرب جزءًا من الحياة اليومية، تبدو اليوم بعيدة إلى حد يصعب تصوره، فحصة الفرد من المياه كانت قبل حرب الإبادة نحو 85 لترًا يوميًا، أما اليوم، وفي أفضل الأحوال، فلا تتجاوز 22 لترًا، وفق ما وثقته أحدث التقارير والأبحاث الدولية.

وحتى إنتاج المياه نفسه انكمش تحت وطأة الدمار ونقص مقومات التشغيل، فمن نحو 300 ألف متر مكعب كانت تنتج يوميًا قبل الحرب، لا يتجاوز الإنتاج اليوم 120 ألف متر مكعب، وفق سالم.

لم يعد السؤال كم تحتاج العائلة في قطاع غزة من المياه، بل كيف تصل إليها أصلًا؟ فحين يتوقف المولد، ينقطع الضخ، وحين ينفد السولار، تتعطل المركبة، وحين يغيب الزيت أو قطعة الغيار، تتوقف الشاحنة، وفي نهاية السلسلة، تبقى العائلات وحدها في مواجهة العطش، تحمل ما استطاعت من الماء، وتقتصد في كل قطرة!

كاريكاتـــــير