شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 13 اعسطس 2026م15:45 بتوقيت القدس

ارتفاع نسبة زواج الصغيرات..

زيجات الحرب.. بداياتٌ مسروقة تحت الخيام

13 اعسطس 2026 - 15:01
** الصور في التقرير تعبيرية
** الصور في التقرير تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن أميرة وافي تتخيل يومًا أن تبدأ حياتها الزوجية داخل خيمة نزوح متواضعة، غربي مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة. أن يكون سقفها من القماش، وجدران بيتها المؤقتة لا تمنحها الحد الأدنى من الخصوصية، وأن تغيب عن زفافها التفاصيل التي طالما تخيلتها كل فتاة، لتحل محلها طقوسٌ فرضتها حرب الإبادة الإسرائيلية على الغزيين.

قبل نحو شهرين، تزوجت أميرة في خيمة، في مكان نزوح لم يكن في الأصل سوى محطة مؤقتة، قبل أن تطول الحرب ويطول معها الانتظار. تقول لـ"نوى": "كنتُ أتمنى أن أعيش تفاصيل العروس، لكن واقعنا صعب جدًا".

حكاية أميرة ليست استثناءً في قطاعٍ دمرت الحرب نحو 80% من منازله ومبانيه ومنشآته، بل صورة لظاهرة اجتماعية أخذت تتشكل تحت ضغط النزوح والدمار وفقدان المأوى.

الحرب لا تنتزع من الزواج مكانه فقط، بل تغير شكله، وتدفع بعروسين إلى بدء حياتهما في أماكن لم تكن يومًا معدة للحياة الزوجية.

كانت أميرة تحلم ببيت صغير يجمعها بزوجها تحت سقف واحد، بباب تغلقه حين تريد أن تكون وحدها، وغرفة نوم تختار أثاثها بنفسها، ومطبخ خاص تعد فيه الأكلات الفلسطينية التي تحبها.. أحلام بسيطة، لكنها بدت مع الحرب أكثر صعوبة من أن تتحقق.

لهذا، أجلت فكرة الزواج أكثر من مرة، وحين طال أمد الحرب ولم يبدُ في الأفق حل قريب، وجدت نفسها أمام قرار صعب. تخبرنا: "فكرة الزواج في خيمة كانت مرعبة، خاصة مع التدمير الهائل للمنازل، لكن الحرب طالت وليس هناك أفق لحل قريب، فكان قراري بالموافقة".

ورغم دعم زوجها ومحاولاته توفير ما يستطيع داخل الخيمة، تصف أميرة حياتها الجديدة بأنها مرهقة ومخيفة: "حرارة شديدة، ونقص حاد في المياه، وخصوصية تكاد تكون معدومة، وساعات طويلة من الوحدة بينما يخرج زوجها إلى العمل منذ الصباح وحتى ما بعد مغيب الشمس".

الحرب لا تنتزع من الزواج مكانه فقط، بل تغير شكله، وتقتلع منه الطقوس التي اعتادها الغزيون، وتدفع بعروسين إلى بدء حياتهما في أماكن لم تكن يومًا معدة للحياة الزوجية.

"فرحتي كانت منقوصة، فالزواج الذي يفترض أن يكون بداية حياة مليئة بالأمل، تحول إلى تجربة مثقلة بالهموم".

محمد حسين، شاب في الحادية والعشرين، نزح مع عائلته من بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة مرات عدة منذ اندلاع الحرب، قبل أن يستقر في خيمة بمدينة دير البلح وسط القطاع.

وكغيره من آلاف العمال الذين طالتهم آثار الحرب، فقد محمد عمله سائقَ أجرة، واضطر لاحقًا إلى العمل بائعًا على بسطة صغيرة لتأمين قوت يومه.

وسط هذا الواقع، قرر أن يتزوج سناء، البالغة من العمر عشرين عامًا، وأن يبدأ معها حياة جديدة، لكن حتى هذه البداية لم تكن بمنأى عن الحرب.

أقيم زفافهما داخل صف دراسي في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء، بعدما تخلّيا عن الطقوس التي طالما ميزت أفراح الغزيين. يقول: "فرحتي كانت منقوصة، فالزواج الذي يفترض أن يكون بداية حياة مليئة بالأمل، تحول إلى تجربة مثقلة بالهموم".

مرت بضعة أشهر على زواجهما، قضياها في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ولا يعرفان متى يمكن أن يصبح لهما بيت خاص. تعقب سناء: أكثر ما أفتقده هو الخصوصية".

وتروي تفاصيل يومها كزوجة جديدة، تطهو الطعام على نار الحطب في غياب غاز الطهي، وتغسل الملابس يدويًا في ظروف شاقة، وتحاول تنظيف الخيمة من الأتربة والحشرات والقوارض التي تتسلل إليها.

تبدو حياتها، كما تصفها، أقرب إلى معركة يومية من أجل البقاء منها إلى بداية حياة زوجية طالما انتظرتها.

أما محمد، فيتحدث بمرارة عن تجربة لا ينصح بها شابًا في مثل عمره وظروفه، وينبه إلى إنه لا يتمنى لأحد أن يعيش بداية حياته الزوجية وسط هذه الكارثة الإنسانية، "فمسؤولية الزواج التي تبدو ثقيلة في الظروف الطبيعية، أصبحت في غزة عبئًا مضاعفًا، بعدما حرمت الحرب الناس من مصادر رزقهم، ورفعت معدلات الفقر والبطالة، وجعلت تأمين الطعام والمياه تحديًا يوميًا" يقول.

حكاية أميرة ومحمد وسناء ليست مجرد قصص شخصية؛ إنها صورة مكثفة لجيل يحاول أن ينتزع لحظة فرح من قلب المأساة، فيكتشف أن الفرح نفسه بات محاصرًا بالحرمان.

وترى الدكتورة روضة ناهض حلس، اختصاصية الصحة النفسية المجتمعية، أن فقدان الخصوصية داخل الخيام لا يمكن اختزاله في كونه مشكلة سكنية، بل يمثل أزمة إنسانية عميقة تمتد آثارها إلى الأسرة والمجتمع.

في حالات النزوح الطويل، يؤدي غياب الخصوصية إلى تآكل الحدود الطبيعية بين أفراد الأسرة، ويجعل الحياة الشخصية مكشوفة أمام الآخرين، ويضعف الإحساس بالسيطرة والاستقلالية".

فالخصوصية، برأيها، ليست مجرد مساحة مادية منفصلة، وإنما شعور بالأمان والكرامة، وقدرة على التعبير عن الذات وإدارة العلاقات الأسرية بصورة صحية، "وفي حالات النزوح الطويل، يؤدي غيابها إلى تآكل الحدود الطبيعية بين أفراد الأسرة، ويجعل الحياة الشخصية مكشوفة أمام الآخرين، ويضعف الإحساس بالسيطرة والاستقلالية" تقول.

ويصبح الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الأزواج حديثي الزواج، الذين يحتاجون إلى مساحة آمنة لبناء حميميتهم العاطفية والوجدانية (والحديث لها)، لكن ظروف النزوح تحول دون تأسيس روابط مستقرة، بما قد يقود إلى الإحباط وعدم الرضا عن الحياة الزوجية، ويضعف التواصل بين الزوجين.

وتؤمن الدكتورة روضة أن هذه الضغوط المزمنة، المترافقة مع الفقر والبطالة وفقدان المسكن والحداد على الأحبة، تزيد احتمالات النزاعات الأسرية، التي قد تتطور إلى عنف لفظي أو أسري أو حتى التفكير في الانفصال.

"النساء والفتيات هن الفئة الأكثر تأثرًا بغياب الخصوصية، خاصة فيما يتعلق بالنظافة الشخصية والصحة الإنجابية والحماية من العنف".

وتشير إلى أن النساء والفتيات هن الفئة الأكثر تأثرًا بغياب الخصوصية، خاصة فيما يتعلق بالنظافة الشخصية والصحة الإنجابية والحماية من العنف، وهو واقع يولد شعورًا دائمًا بالخجل والإحراج، وينعكس سلبًا على العلاقة الزوجية.

لكن وجهًا آخر من الأزمة يبرز حين يتحول الزواج نفسه إلى وسيلة تحاول بها بعض الأسر الهروب من واقع الحرب، فمع استمرار النزوح وتراجع مصادر الدخل وفقدان أرباب الأسر أعمالهم، برز الزواج المبكر كآلية تكيف سلبية تلجأ إليها بعض العائلات لمواجهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

"وفي هذه الحالات، لا يكون القرار دائمًا نابعًا من قناعة حرة، بقدر ما يكون استجابة لظروف قهرية تجعل الأسرة تبحث عن أي مخرج من عبء أثقلتها الحرب" تبعًا لحلس.

في خيمةٍ صغيرة بمنطقة المواصي غربي خان يونس، تعيش لانا (16 عامًا)، مع أسرتها النازحة من بلدات شرقي المدينة التي دمرت الحرب أجزاء كبيرة منها.

تكتفي الفتاة بذكر اسمها الأول، وتتحفظ على اسم عائلتها، فيما تحمل داخلها حلمًا كان أكبر من الخيمة التي وجدت نفسها محاصرة فيها. كانت لانا تحلم بأن تصبح مهندسة ديكور، لكنها بسبب الحرب، وجدت نفسها ضحية قرار اتخذه والدها تحت وطأة ما وصفه بـ"قلة الحيلة".

فالرجل الأربعيني، الذي كان يعمل في ورشة لتصليح السيارات، فقد عمله ومصدر رزقه بعدما تعرضت الورشة للتدمير، وبات مسؤولًا عن إعالة أسرة من ثمانية أفراد، بينهم خمس فتيات، أكبرهن لانا.

يقول لـ"نوى": "الحرب دمرتنا.. دمرت منزلي وعملي، ولم أعد قادرًا على تأمين لقمة العيش لهم".

وحين تقدم أحد أقارب لانا لخطبتها، لم يطل الأب التفكير. يقول: "موافقتي لا تعني أنني لا أحبها، ولا أتمنى لها الخير، لكن الحياة صعبة، وأردت لها أن تكون في عصمة زوج يتكفل بمسؤوليتها واحتياجاتها، فالعبء عليّ بات ثقيلًا".

لكن الزوج الذي رأى فيه الأب مخرجًا من عبء المسؤولية لم يكن سوى فتى يكبر لانا بعام واحد، لا يعمل، ويجني المال من ظاهرة سلبية ولدت في ظل الحرب، إذ كان يقطع وآخرون طريق شاحنات المساعدات ويستولون عليها لبيعها في الأسواق، بحسب ما كشفت الفتاة.

بصوت ممزوج بالقهر والغضب، تقول لانا: "هذا الزواج لم يكن حلمي، كنت أحلم باستكمال تعليمي وأن أتخرج من كلية الهندسة، وعندما أقرر الزواج أن يكون القرار نابعًا من داخلي، وأن يكون لي رأي فيمن سيشاركني حياتي".

لم يتحقق شيء من ذلك. وبعد نحو شهرين من الزواج، عادت لانا إلى خيمة عائلتها إثر خلافات حادة مع زوجها، بعدما انقطع ما كان يجنيه من الاستيلاء على شاحنات المساعدات، وتراجعت ظاهرة "قطاع طريق المساعدات" إلى حد كبير.

لم تبلغ لانا الثامنة عشرة بعد، ويرجح أن تنتهي رحلة زواجها السريعة بالطلاق. تقول: "كان زواجي صدمة، والآن سأحمل لقب مطلقة مبكرًا وأنا ما زلت طفلة".

في غزة، يستند التعديل إلى قانون حقوق العائلة لعام 1954م والمذهب الحنفي، بحيث لا يقل عمر المخطوبة عن 17 عامًا.

وتنص اتفاقية حقوق الطفل على أن الطفل هو كل إنسان لم يبلغ الثامنة عشرة، وتدعو الدول الأطراف إلى اتخاذ جميع التدابير لمنع الزواج المبكر والقسري، كما تؤكد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ضرورة الرضا الكامل والحر للزواج، وهو ما لا يتحقق غالبًا في حالات زواج القاصرات في المجتمع الفلسطيني.

وبوصف دولة فلسطين موقعة على هذه الاتفاقيات، فهي ملزمة قانونيًا بمنع زواج القاصرات، ومع ذلك تسمح بعض القوانين المحلية باستثناءات.

وعلى مدار العقود الماضية، كان سن الزواج المسموح به فلسطينيًا تحدده المادة الخامسة من قانون الأحوال الشخصية لعام 1976م، التي تنص على أن يكون سن الخاطب 16 عامًا وسن المخطوبة 15 عامًا.

وفي عام 2019م، جرى تعديل سن الزواج في الضفة الغربية وقطاع غزة بصورة منفصلة، ففي الضفة أصبح الحد الأدنى 18 عامًا للذكور والإناث، مع إمكانية الاستثناء من المحكمة عند الضرورة، أما في غزة، فاستند التعديل إلى قانون حقوق العائلة لعام 1954م والمذهب الحنفي، بحيث لا يقل عمر المخطوبة عن 17 عامًا، إلا أن مواد أخرى فتحت المجال أمام تزويج الفتيات دون هذا السن، وفق تقدير القاضي وبموافقة الولي.

مأذون شرعي: "الحرب فرضت إجراءات استثنائية، من بينها إبرام عقود زواج لفتيات دون سن السابعة عشرة، ذلك لرغبة الأهالي في "ستر" الفتيات وتيسير الزواج".

ومع الحرب، لم تسلم المحاكم الشرعية من الدمار، فقد دمرت أغلبية المحاكم الشرعية في القطاع، كليًا وجزئيًا، خاصة في محافظتي غزة والشمال، ما أدى إلى ظهور محاكم شرعية متنقلة وقضاة يتنقلون ويعملون بإمكانيات متواضعة لضمان استمرار الإجراءات الشرعية الضرورية.

ويقول مأذون شرعي، فضل عدم الكشف عن هويته: "إن الحرب فرضت إجراءات استثنائية، من بينها إبرام عقود زواج لفتيات دون سن السابعة عشرة، مبررًا ذلك برغبة الأهالي في "ستر" الفتيات وتيسير الزواج، خاصة في ظل جرائم القتل والنزوح المتكرر وتردي الأوضاع المعيشية. ويؤكد أن هذه العقود قانونية تمامًا، وأن الزواج يكون مصدقًا وموثقًا.

في المقابل، تكشف الأرقام الرسمية أن عجلة الزواج لم تتوقف رغم الحرب، ويقول رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي، الدكتور حسن الجوجو، إن عدد حالات الزواج المسجلة في المحاكم الشرعية منذ اندلاع حرب الإبادة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 31 مايو/أيار 2026 بلغ 57 ألفًا و251 حالة زواج، وهو رقم يعكس استمرار الحياة الاجتماعية رغم ظروف الحرب القاسية، ويشير إلى زيادة ملحوظة مقارنة بما قبل الحرب، تجاوزت نسبتها 10% تقريبًا.

أما حالات الطلاق المسجلة خلال الفترة ذاتها، فبلغت 8 آلاف و701 حالة، وبقيت ضمن حدودها الطبيعية ولم تشهد ارتفاعًا استثنائيًا مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

ورغم أن الأرقام تحكي عن استمرار الزواج، فإن الحكايات خلفها تكشف عن واقع مختلف، فثمة من يبدأ حياته الزوجية في خيمة، ومن يتخلى عن حلمه ببيت صغير، ومن تدخل الزواج قبل أن تكمل طفولتها، ومن تجد نفسها بعد أشهر قليلة تحمل لقب مطلقة قبل أن تبلغ الثامنة عشرة.

"القرارات المتسرعة بالزواج، وكذلك الزواج المبكر، قد تترك آثارًا طويلة المدى، من بينها ارتفاع معدلات العنف والاكتئاب بين الفتيات، وفقدان فرص التعليم والعمل".

وتحذر الدكتورة روضة من أن القرارات المتسرعة بالزواج، وكذلك الزواج المبكر، قد تترك آثارًا طويلة المدى، من بينها ارتفاع معدلات العنف والاكتئاب بين الفتيات، وفقدان فرص التعليم والعمل، وضعف الاستقلالية الاقتصادية، وزيادة المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل المبكر. وعلى مستوى الأسرة، يزداد الضغط الاقتصادي وتضعف فرص الاستقرار، فيما يعيد المجتمع إنتاج دوائر الفقر، وتتراجع المؤشرات التعليمية والصحية.

ولمواجهة هذه الظواهر، ترى اختصاصية الصحة النفسية المجتمعية أن الاستجابة لا ينبغي أن تقتصر على الاحتياجات المادية، بل يجب أن تراعي الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية أيضًا، من خلال توفير حلول إيواء تحفظ الخصوصية والكرامة الإنسانية، وإنشاء مساحات آمنة للنساء والفتيات، وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للأزواج الجدد، وتنفيذ برامج توعية حول مخاطر الزواج المبكر، وتمكين الأسر اقتصاديًا عبر مشاريع صغيرة وبرامج نقد مقابل العمل، ودعم استمرار تعليم الفتيات وتعزيز خدمات الحماية.

وهكذا، يصبح الزواج تحت الخيام أكثر من حكاية عن عروسين، إنه صورة لجيل يحاول أن يبدأ حياته وسط حرب لم تترك له مكانًا آمنًا يبدأ منه.. حياةٌ تبحث عن الحب والاستقرار، لكنها تصطدم كل يوم بالتهجير والدمار والفقر، وبواقع يجعل حتى أبسط الأحلام بحاجة إلى معركة طويلة كي تولد.

كاريكاتـــــير