شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 31 مايو 2026م23:36 بتوقيت القدس

أمهات غزة.. جرحان في جسدٍ واحد

31 مايو 2026 - 22:49
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

قطاع غزة:

في غرفة العمليات بمستشفى الأمل بخان يونس، لم تكن مريم الشوبكي (38 عامًا) تفكر سوى في النجاة، كانت تُحكم قبضتها على بطانية رمادية وتحدّق في سقف الغرفة البارد، فيما يتصارع داخلها خوفان؛ خوف على حياتها، وآخر على طفلتها التي لم تُكمل شهرها التاسع.

مريم التي قطعت رحلة نزوح شاقة سيرًا لمسافة 26 كيلومترًا، وجدت نفسها على سرير ولادة قيصرية طارئة في ظروف قاهرة.

تستعيد تلك اللحظات: "نزحت من حي الزيتون حتى خانيونس مشيًا، وكنت مرعوبة من كل ما أسمعه عن نقص أدوية التخدير. خشيت أن أفقد حياتي أو طفلتي التي لم يتجاوز وزنها كيلوغرام ونصف بسبب المجاعة ونقص الغذاء".

خلال حملها، لم تتمكن الأم من الحصول على غذاء كافٍ أو مكملات غذائية، "كنت أعاني من صداع دائم وغثيان وضعف شديد، حتى الحركة أصبحت ترهقني"، تقول.

النزوح المتكرر والعيش في خيام مكتظة تفتقر إلى المياه النظيفة والرعاية الصحية يضاعفان مخاطر العمليات القيصرية

وتستذكر معاناة أخرى سبقت الولادة، حين طلب منها الأطباء إبرة لتسريع نمو رئتي الجنين بعد اتخاذ قرار إجراء العملية قبل موعدها بأسبوعين، بين الصيدليات والمستشفيات استمرت أيامًا قبل العثور عليها بسعر مضاعف.

أما اللحظة الأصعب، فكانت عندما ودّعت بناتها الثلاث داخل الخيمة، وتكمل: "في غرفة العمليات أعطوني نصف جرعة تخدير، وكنت أبكي طوال الوقت وأطلب من الطبيب أن يطمئنني على طفلتي، وعندما وضعها أمام عيني شعرت أن روحي عادت إليّ".

لكن النجاة من العملية لم تكن نهاية المعاناة، فداخل الخيمة التي عادت إليها، واجهت حرارة خانقة وقلة في المياه النظيفة، وحشرات وقوارض تحيط بمولودتها الجديدة، "حتى جرح العملية ظل ملتهبًا بسبب الحر وسوء التغذية"، تخبرنا.

وتُجسد تجربة مريم واقع آلاف النساء الحوامل في قطاع غزة، حيث تحولت الولادة إلى مأساة مضاعفة، فالنزوح المتكرر والعيش في خيام مكتظة تفتقر إلى المياه النظيفة والرعاية الصحية يضاعفان مخاطر العمليات القيصرية، خصوصًا مع انتشار سوء التغذية ونقص البروتين والحديد والمكملات الأساسية اللازمة لالتئام الجروح.

داخل خيمة إيواء أخرى بمدينة غزة، تعيش مريم خالد (33 عامًا) ظروفًا مشابهة بعد خضوعها لولادة قيصرية قبل نحو عشرين يومًا، تقول إنها لم تحصل على فرصة للتعافي، إذ اضطرت للعودة مباشرة إلى الطهي وغسل الملابس ورعاية أطفالها.

وتضيف: "من الطبيعي أن تحصل المرأة بعد القيصرية على فترة راحة، لكن لا أحد يستطيع أن يتولى مسؤولية أطفالي، كنت أطبخ على الحطب وأغسل الملابس بيدي"، مؤكدة أن جرحها أصيب بالتهاب شديد وبدأ يفرز "قيحًا" نتيجة غياب الظروف الصحية المناسبة داخل الخيمة.

لاحقًا، عادت إلى المستشفى بعد إصابتها بعدوى متكررة، وتتابع هنا: "فتح الأطباء الجرح ونظفوه، وبقيت عشرة أيام أتلقى العلاج. المشكلة أن البيئة التي نعيش فيها تعيدنا إلى نقطة الصفر كل مرة".

من جهته، يعلق استشاري النساء والولادة ورئيس قسم التوليد في مجمع الشفاء الطبي، عيادة أبو حصيرة، بأن الحرب فاقمت بشكل كبير معاناة الحوامل والنساء بعد الولادة، مشيرًا إلى ارتفاع نسبة الولادات القيصرية في القطاع مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

ويعزو ذلك إلى انهيار المنظومة الصحية، وغياب المتابعة الدورية للحمل، ونقص الأجهزة الطبية وأسرّة العناية المركزة، إضافة إلى صعوبة وصول النساء إلى المستشفيات بسبب تدمير الطرق، وشح وسائل النقل والإسعاف.

ويضيف أن كثيرًا من النساء يصلن إلى المستشفيات في حالات متأخرة، مثل النزيف الحاد أو انفصال المشيمة المبكر، ما يدفع الأطباء إلى إجراء عمليات قيصرية عاجلة لإنقاذ حياة الأم والجنين.

تكرار العمليات القيصرية، إلى جانب الظروف الصحية المتردية، يرفع مخاطر الإصابة بالالتهابات والتجلطات ومشكلات المشيمة مستقبلًا

ولا تتوقف المعاناة عند غرفة العمليات، فبحسب أبو حصيرة، تؤدي ظروف النزوح القاسية وسوء التغذية والإجهاد المستمر إلى زيادة مضاعفات ما بعد الولادة، مثل التهابات الجروح، وضعف إدرار الحليب، والالتهابات البولية، وفقر الدم.

ويؤكد أن الخيام خلقت بيئة غير صحية للنساء بعد الولادة القيصرية، نتيجة الحرارة المرتفعة والغبار والتعرق المستمر، في ظل غياب أدوات التعقيم والغيارات الطبية، كما تضطر كثير من النساء إلى قطع مسافات طويلة لتغيير الجروح والحصول على الرعاية التي كانت متوفرة سابقًا في المراكز الصحية القريبة.

وفي الوقت نفسه، تواجه الطواقم الطبية نقصًا حادًا في أدوية التخدير والمضادات الحيوية والمحاليل ومستلزمات الرعاية الأساسية، ما يزيد من صعوبة التعامل مع الحالات والمضاعفات الناتجة عن العمليات القيصرية.

ويحذر أبو حصيرة من أن تكرار العمليات القيصرية، إلى جانب الظروف الصحية المتردية، يرفع مخاطر الإصابة بالالتهابات والتجلطات ومشكلات المشيمة مستقبلًا، وقد يؤثر على خصوبة المرأة أو يقود في بعض الحالات إلى استئصال الرحم مبكرًا.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير