شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:15 بتوقيت القدس

حفاظًا على تماسك الأسرة..

أمهات غزة.. أحزانٌ مؤجّلة تحت "قناع القوة"

13 يناير 2026 - 12:59

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تحت وطأة الحرب والنزوح والخسارات المتتالية، تؤجل كثيرٌ من الأمهات في غزة التعبير عن الألم، لا إنكارًا له، بل حفاظاً على تماسك الأسرة واستمرار الحياة. فما بين الفقد والخوف والمسؤولية، تتشكّل آلياتٌ صامتة للصبر والتحمّل، تحضر في التفاصيل اليومية أكثر مما تُقال بالكلمات.

تصف هبة كحيل (55 عامًا) التحوّل الذي طرأ على شعورها بعد الحرب، بقولها: "كنت أظنّ أنني انتهيتُ من عبء مسؤولية التربية، بعد أن كبرَ الأبناء والتحقوا بالجامعة، وإذ بفقد زوجي يعيدني إلى نقطة الصفر". لقد وجدت نفسها أمام مسؤولية كاملة، وعجزٍ عن الإجابة على سؤال يتكرر: "وبعدين يا أمي؟"، في واقعٍ يفتقر لأي يقين.

تحاول إخفاء خوفها وانكسارها عن أبنائها، لكنها تعترف بأنها لا تستطيع إخفاءَ كلِ شيء، فهم باتوا يجيدون قراءةَ نظراتِها. رغم ظهورها متماسكةً أمامهم، بالتعامل بحزم، واتخاذ القرارات، وارتداء "قناع القوة"، مؤجلةً انهيارها إلى لحظات العزلة، حيث تبكي بعيدًا عن أعينهم، حتى لا يحزنوا أكثر.

يشغل مستقبل الأبناء تفكير هبة أكثر من أي شيءٍ آخر. التعليم، والسفر، والعيش بكرامة في واقع محاصَر، هواجسٌ تلاحقها باستمرار.

يشغل مستقبل الأبناء تفكير هبة أكثر من أي شيءٍ آخر. التعليم، والسفر، والعيش بكرامة في واقع محاصَر، هواجسٌ تلاحقها باستمرار، والخوف من الغد لا يفارقها مهما انهمكت بمشاغل اليوم.

داخل البيت، تزرع شعور الأمان دون تجميل. تحكي لنا: "أجلس مع أبنائي، أتحدث معهم عن الواقع كما هو، ونحاول التخطيط معًا قدر المستطاع". ومن وجهة نظرها، لا يقوم الأمان على إنكار الخطر، بل على المشاركة وتحمل الواقع، والبقاء معاً حتى لو غابت الجدران.

معنويات هبة ما تلبث أن تتحسن، حين ترى أبناءها يواصلون حياتهم: "عندما أراهم يعبّرون عن آرائهم، ويساعدون غيرهم، ويستأنفون دراستهم رغم كل شيء، أشعر بالراحة، وأنني لم أُخطئ الطريق". في تلك اللحظات، تدرك أن في قلبها المُتَعب قوةً عجيبة".

 وكغيرها، تنشغل هذه السيدة نهاراً بمحاولات النجاة، لكن في الليل تؤرّقها الذكريات والوجوه، ووقتئذٍ تخاطب مرآتها: "أريد أن أكون قوية، لا لأنني قادرة دائمًا، بل من أجلهم".

التفكير في المستقبل مُرهِق

في تجربة أخرى، لا تملك ياسمين نصر (27 عامًا) من أمرها شيئاً سوى إرجاءِ حزنها، متخذةً من المشاغل اليومية طوقَ نجاةٍ للاستمرار.

عاشت نزوحًا قسريًا متكررًا، حيث تنقّلت مع طفليها بين مراكز الإيواء، وسط نقصٍ حاد في الخدمات الأساسية.

كان الخوف حاضرًا طوال الحرب، لكن ياسمين أُجبرت على ألا تنغمس فيه أمام أطفالها، إذ انصبَّ جهدها على تلبية احتياجاتهم وتأمين حدٍ أدنى من الاستقرار في ظروف تزداد قسوةً. لذلك، اختارت أن تؤجل مواجهة مشاعرها الخاصة إلى وقت لاحق.

هي لا تنكر شعورَها بالخوف، وإنما تسعى لضبط طريقة التعبير عنه أمام أطفالها. "أحاول أن أكون متوازنةً. أقدّم لهم الدعم العاطفي اللازم، وأَظهر أمامهم نموذجاً هادئاً". توازنٌ يوفّر شعورًا نسبيًا بالأمان داخل الأسرة، رغم الواقع الكارثي، حسب حديثها.

ولعل أكثر ما تؤجّل مواجهتَه، هو التفكير في المستقبل. تشرح لنا: "الغموض يكتنفُ قادمَ الأيام، ما يعني أنه لا قدرة لنا على التخطيط، مما يرهقنا. لكن دوامة القلق هذه يجب أن تبقى بعيدةً عن أطفالي".

ولخلق مساحات تخّفف حدة الاضطراب، تركّز ياسمين على أنشطةٍ روتينية بسيطة لكنها فعّالةٌ في تفريغ التوتر، بناءً على تجربتها. "أحيانًا نرسم، وأحيانًا نكتب، المهم أن نجد طريقةً للتعبير"، تقول.

وتقتنع بثلاث نقاط: أن تأجيلَ أيّ حزنٍ خيارٌ واعٍ لا هروبٌ من الواقع، وأن الصمودَ لا يعني غياب التعب، بل القدرة على الاستمرار، بالرغم منه، وأخيراً أن ثمَّة ما يستحقُ المواصلة من أجله.

أجواء عائلية

أما وجدان المصري (45 عامًا)، فخوفها مزمنٌ على أبنائها، خاصةً بعد استشهاد أخيها، لم يعد ألمها على ما يُرام.

وتردف بالقول: "وجدت في انشغالي بالأعمال اليومية حلاً ناجعاً للتقليل من مخاوفي، فذلك يمدني بقدرةٍ مؤقتة على السيطرة على مشاعري".

أكثر ما تفتقده وجدان اليوم، هو الشعور بالسلام والأمان، بعد الحرب والنزوح وفقدان بيتها. ومع هذا، لا تفتأ توفر مساحةَ استقرار لأولادها، بحرصها على الاقتراب منهم في أجواء من "الدفء العاطفي"، والاهتمام بالتفاصيل التي تمنحهم شعور الراحة، والكلام لها. ساعيةً في ذلك كله إلى تحقيق تماسك الأسرة؛ بعيداً قدر الإمكان عن القلق.

وترى أن التماسك العائلي يخفّف من ثقل الواقع الذي يرزح الجميع تحته، بل وتعدّه أحدَ أهم مصادر الصمود في مواجهة آثار الحرب النفسية.

ومهما بلغت المتاعب والمسؤوليات مبلغها، فإنها تتمسك بالأمل في: "بزوغ فجر جديد، وتغيير الحال للأفضل" تبعاً لقولها.

الصبر وحده لا يكفي

وسط كل ما عصفَ بهن جرّاء الحرب والنزوح، تعتاد الأمهات في غزة على تأجيل التعبير عن الألم واللجوء لكتمان المشاعر. وتعزو المختصة النفسية آية المقيد السبب في ذلك إلى "المسؤوليات الثقيلة التي تقع على عاتقهن، فيما لا تتوانى الأم عن التضحية براحتها من أجل الحفاظ على العائلة، بينما تبقى أوجاعهن مؤجّلة، في حين، يستمر العقل والجسم في حالة استنفارٍ دائم بغرض الحماية".

ويأخذ الكبت أشكالًا عدة، منها التأجيل، والإنكار، وصعوبة التعبير عن المشاعر، أو التقليل من جدوى العلاج النفسي، وفقاً لحديث المقيد مع "نوى". وتؤكد أن هذه الآليات قد توفّر حماية مؤقّتة، إلا أنها تترك آثارًا نفسيةً وجسديةً عميقة، تبدأ بالشعور بالعجز والذنب، وقد تصل إلى اضطرابات جسدية وضعف المناعة.

"تؤجل الأمهات الألم بسبب المسؤوليات الثقيلة، فيما لا يتوانين عن التضحية براحتهن من أجل الحفاظ على العائلة. يؤجلن أوجاعهن، ويستمر العقل والجسم في حالة استنفارٍ دائم بغرض الحماية".

وفي السياق ذاته، تروي المقيد قصةَ أمٍ حوصرت مع بناتها داخل جامعة الأقصى، واضطرت للنوم بين الجثث لحمايتهن. إحدى بناتها، وتُدعى شمس، توقفت عن الكلام نتيجة الصدمة، والأم فقدت قدرتها على العطاء.

 وبعد أربعة شهور، من تلقيهما جلسات الدعم النفسي، استعادت الطفلة قدرتها على التعبير، واللافت حدوث ذلك ما أن تحسّنت الأم.

وعن النتائج التي يمكن أن يؤدي لها غيابُ الدعم النفسي والاجتماعي، تحذر من أن إغفال هذا النوع من الدعم يجعل من التحمل عبئاً ثقيلاً، وستظهر سلوكيات مثل التحمل الصامت، والعصبية، ونوبات البكاء، والعزلة الاجتماعية، وتراجع الاهتمام بالأبناء، ناهيك عن ضغوطٍ إضافية على زوجات الشهداء، بسبب النظرة النمطية للمجتمع.

"الأثر النفسي لكبت المشاعر يتجسد، على المدى القريب، في الاكتئاب والشعور بالعجز، بينما ينجم عنه، على المدى البعيد، إنهاكٌ عصبي وجسدي وارتفاعٌ في هرمونات التوتر".

وتخبرنا أن الأثر النفسي لكبت المشاعر يتجسد، على المدى القريب، في الاكتئاب والشعور بالعجز، بينما ينجم عنه، على المدى البعيد، إنهاكٌ عصبي وجسدي وارتفاعٌ في هرمونات التوتر، وقد تظهر أعراضٌ مثل الصداع، وآلام المفاصل، وصرير الأسنان.

وتشدد المقيد على أن "الصبر وحده لا يكفي". فمن الأهمية بمكان تعزيز الروابط المجتمعية، وتوفير الدعم النفسي المتخصص.

وتهمس في أذنِ كل أمٍ في غزة: "دعونا مجدداً نتعلّم حب الحياة، والاعتناء بأنفسنا. لِنفهم مشاعرنا وطرق إدارتها، حتى ينجح استمرارنا في الصمود".

كاريكاتـــــير