شبكة نوى، فلسطينيات: قبل أشهر قليلة، كان خالد عاشور يركض في الأزقة كأي طفلٍ في الخامسة، يطارد كرةً بقدمين لا تعرفان التعب، ويملأ البيت بضحكةٍ خفيفة لا تحتاج سببًا، لم يكن يعرف أن الألم يمكن أن يجد طريقه إلى عينه الصغيرة، ويستقر هناك كضيفٍ ثقيل لا يرحل ولا يرحم.
بدأت الحكاية بهدوءٍ خادع، كما تبدأ أشياء كثيرة في غزة؛ صداعٌ عابر، وعينٌ تشتكي دون وضوح، ظنّ أهله أن الأمر مجرد تعبٍ مؤقت، لكن الأيام سرعان ما كشفت قسوتها، تنقّلوا بين الأطباء، من احتمالٍ إلى آخر، حتى جاء التشخيص صادمًا، ورمٌ خبيث يتمدد بجانب العين، ينهش العظام المحيطة بها، ويدفعها ببطء إلى الخارج.
تستعيد والدته تلك اللحظات بصوتٍ مثقلٍ بالغصّة:" كل شيء حدث فجأة وبسرعة، خلال أقل من شهر عرفنا أنه يعاني من ورم بجانب عينه يحتاج علاجًا كيماويًا عاجلًا"، منذ تلك اللحظة، بدأت رحلة البحث عن العلاج، رحلةٌ بدت أقرب إلى الدوران في حلقة مفرغة مستشفىً تلو آخر، وأملٌ يتبخر عند كل باب، "رحنا على الرنتيسي، ورحنا على غيره، والجواب في كل مكان واحد، ما في كيماوي "تقول بمرارة.
لم يكن النقص في الدواء هو العائق الوحيد، بل الطريق إليه أيضًا، في مكانٍ آخر من العالم، كان يمكن أن تسير الأمور ببساطة، تشخيص، علاج، وربما تعافٍ، أما هنا، فالطريق نفسه معطوب، المعابر شبه مغلقة، والمنظومة الصحية مثقلة، والتحويلات الطبية العاجلة تتكدّس في انتظار إذنٍ قد لا يأتي" قالوا لنا إن التأخير قد يُكلفه عينه، وقد يُكلفه أكثر من ذلك" تضيف الأم، وكأنها تردد حكمًا مؤجل التنفيذ.
في البيت، يتحوّل الانتظار إلى اختبارٍ يومي قاسٍ، خالد لا يفهم كل هذه التعقيدات، لكنه يفهم الألم، يئنّ، يبكي، ويطلب من أمه أن تخفف عنه ما لا تستطيع تخفيفه، تقول وهي تحاول أن تتمالك نفسها:"أشاهد حياة طفلي تُسرق أمامي، وأنا لا أملك أي وسيلة لإنقاذه"، كل صباح تبدأ بالسؤال ذاته: هل هناك جديد؟ هل فُتح باب؟ هل تحرّك الملف؟ لكن الإجابة تبقى عالقة بين الصبر والانتظار.
تتحدث ودموعها تسبق كلماتها: “هل أنتظر حتى أفقده؟ أو حتى يفقد عينه؟ كل يوم أراها تبرز أكثر وهو لا يفهم إلا أن هناك شيئًا سيئًا يؤلمه". أما خالد، فيختصر الحكاية كلها بجملةٍ بسيطة لا تحتمل التأويل: بس بدي الألم بعيوني وراسي يروح".
لا يطلب هذا الطفل أكثر من حقه الطبيعي في أن يكون طفلًا، أن يعود للركض، للعب، للنوم دون أن يوقظه الألم، لكن الوقت، هنا، ليس محايدًا، الورم لا ينتظر، والوجع لا يتراجع، والعمر الصغير لا يحتمل كل هذا الثقل، تؤكد والدته بحزمٍ يائس:" لا أطلب المستحيل، فقط أن يُسمح لطفلي بالسفر والعلاج في الوقت المناسب.
خالد ما زال هنا. ما زال بالإمكان إنقاذه، لكن ذلك مرهونٌ بقرار، بفتح طريق، بتحرّكٍ لا يحتمل التأجيل لأن الحكايات في هذا المكان لا تنتهي دائمًا كما يجب، وما يمكن إنقاذه اليوم، قد يتحول غدًا إلى ذكرى لا تُروى إلا بالحسرة.
























