غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في منطقة المواصي الساحلية غربي مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، حيث تتراكم خيام النازحين فوق طبقات الركام والدمار، وُلدت مبادرة فنية تحمل اسم "مرآة غزة".
مبادرةٌ تبدو بسيطةً في شكلها، لكنها تختزن في طياتها ثقل الذاكرة الجمعية لشعب بأكمله، لتغدو نافذة صغيرة تعكس وجع المكان وصموده في آنٍ واحد.
هذه المرآة الفنية صنعها ثلاثة فنانين شبان ضمن فريق "صناع الواقع": الفنان التشكيلي محمد النجار (24 عامًا)، ووعد الهمص (19 عامًا)، ويزن شاهين (21 عامًا)، وهو طالب هندسة ديكور.
داخل الخيمة تتجاور مجسمات لمنازل مدمرة، وشوارع محطمة، ومستشفيات مستهدفة، إلى جانب مشاهد النزوح والحرمان من أبسط مقومات الحياة.
قرر الثلاثة أن يواجهوا الحرب بطريقتهم الخاصة، بأن يحوّلوا تفاصيل المعاناة اليومية إلى مجسمات تنطق بالصمت، وتروي قصة غزة للعالم.
الخيمة التي نصبها الفنانون في منطقة تضم نحو 900 ألف نازح لم تكن مجرد مأوى مؤقت، بل تحولت إلى مساحة بصرية تختصر وجع المدن والمخيمات. بداخلها، تتجاور مجسمات لمنازل مدمرة، وشوارع محطمة، ومستشفيات مستهدفة، إلى جانب مشاهد النزوح والحرمان من أبسط مقومات الحياة.

كل قطعة صُنعت لتكون شهادة على جريمة، وكل مشهد حمل ذاكرة لا ينبغي أن تُمحى. يقول النجار: "أردنا أن يرى العالم غزة كما نعيشها نحن، لا كما تُعرض في نشرات الأخبار"، موضحًا أن هذه المجسمات ليست مجرد فن، بل وثائق تحفظ تفاصيل الحرب حتى لا تضيع من الوعي.
بالنسبة له، لا يبدو الفن ترفًا عابرًا، بل حاجة وجودية ووسيلة مقاومة في وجه محاولات الطمس والنسيان، "فالبعد الإنساني هو جوهر العمل، والخيمة الصغيرة تحولت إلى مساحة تختصر وجع مدن ومخيمات غزة".

ويضيف: "أردنا أن ننقل أنين الناس وصوتهم إلى العالم، وأن نقول إن الفن يمكن أن يكون صرخة ضد محو الحقيقة".
في زاويةٍ أخرى من الخيمة، كانت وعد الهمص تمسك بفرشاة صغيرة وعلبة ألوان، توشك أن تُنهي تزيين مجسم لعربة إطفاء تشبه تلك التي تستخدمها فرق الدفاع المدني.
تقول لـ "نوى": "الحصول على الألوان كان مهمة معقدة للغاية، في ظل الواقع المرير في القطاع، والحصار الخانق، والقيود الإسرائيلية المفروضة على دخول آلاف أصناف السلع والبضائع".

تنظر الهمص إلى كل مجسم على أنه صوت طفل فقد منزله، أو امرأة مريضة تبحث عن دواء، أو عائلة أجبرها الاحتلال على النزوح المتكرر وباتت بلا مأوى، فبعد عامين من حرب الإبادة، تقيم غالبية العائلات في خيام مهترئة تعبث بها الرياح.
وعن أبرز المعوقات التي واجهت الفنانين الثلاثة في طريق إنجاز "خيمة المجسمات"، يقول يزن شاهين: "أكبر معوقاتنا كانت نقص المواد الخام والألوان بسبب الحصار. كنا نعيد تدوير بقايا الخشب والبلاستيك لنصنع منها مشاهد الحرب، واستخدمنا كرتون طرود المساعدات في صناعة المجسمات".
"حين لا نملك السلاح، نملك الفن، وهذه المجسمات هي سلاحنا لإيصال صوت غزة إلى العالم".
ويزيد: "هذا التحدي لم يوقفنا، بل زاد إصرارنا على إنجاز العمل". لافتًا إلى أن الفن وسيلة مقاومة، "فحين لا نملك السلاح، نملك الفن، وهذه المجسمات هي سلاحنا لإيصال صوت غزة إلى العالم" يعقب.
من يدخل "خيمة المجسمات" يجد نفسه أمام صورة مكثفة عن غزة، تختصر عامين من حرب الإبادة، بما حملته من قتل وتجويع ونزوح.
يخبرنا الثلاثة (محمد ووعد ويزن) أن كثيرين ممن زوار الخيمة خرجوا منها مثقلين بالمشاعر، وقد أدركوا أن هذه الأعمال ليست مجرد مجسمات، بل أرشيف حي يوثق تفاصيل حرب الإبادة.

لم يكن هذا المشروع الفني مجرد محاولة للتعبير عن الألم، بل رسالة موجهة إلى العالم، مفادها أن الغزيين يعيشون تفاصيل حرب يومية، وأن هذه التفاصيل يجب أن تُوثق وتُحفظ للأجيال القادمة، بحسب القائمين عليه.
ويقول النجار: "نحن لا نصنع مجسمات للزينة، بل نصنع ذاكرة بصرية. كل قطعة هي شهادة على جريمة، وكل مشهد هو محاولة لقول الحقيقة".
"نحن نعيش في ظروف لا تسمح حتى بتوفير أبسط مقومات الحياة، لكننا نصرّ على أن نوثق ونروي قصتنا".
فيما تؤكد الهمص أن الفن في غزة ليس ترفًا، بل ضرورة، "نحن نعيش في ظروف لا تسمح حتى بتوفير أبسط مقومات الحياة، لكننا نصرّ على أن نوثق ونروي قصتنا".
بينما يختم شاهين: "هذه المجسمات هي صوت غزة، وهي وسيلتنا لنقول للعالم إننا موجودون، وإننا لن نمحى ولن نندثر".
"خيمة المجسمات" ليست مجرد مساحة فنية، بل أرشيفًا حيًا يعيد صياغة الألم بشكلٍ بصري يرفض النسيان. شهادة إنسانية من غزة، تقول للعالم "الفن يمكن أن يكون ذاكرة، ومقاومة، وصرخة في وجه الإبادة".
























