قطاع غزة:
تحت أضواء خافتة انبعثت من كشافات صغيرة معلقة بأسلاك مكشوفة، يقف محمد النجار (39 عامًا) وسط مطعمه الجديد في منطقة المواصي غرب خان يونس، يمسح بيده غبار الركام الذي لا يكف عن الاستقرار فوق طاولات المقهى.
لم يكن المشهد اعتياديًا؛ فالسقف الذي يظلل الزبائن ليس إلا أقواسًا بلاستيكية مقتطعة من دفيئات زراعية، والجدران عبارة عن "سواتر" من النايلون المقوى الذي يئن تحت وقع الرياح، لكنه رغم ذلك، يبدو للشباب المزدحمين في الداخل كأنه واحة من زمن آخر.
هذا "الإبهار" القسري الذي يحاول النجار وصناع الحياة في غزة تصديره، ليس سوى قشرة رقيقة تحاول تغليف جرحٍ غائر، وسرد حكاية مدينة تحاول النهوض بنفسها ونفض غبار الموت عنها، حتى وهي تعيش في قلب "هندسة المجاعة" والحصار المطبق.
السقف الذي يظلل الزبائن ليس إلا أقواسًا بلاستيكية مقتطعة من دفيئات زراعية، والجدران عبارة عن "سواتر" من النايلون المقوى
بدأت فكرة هذه المشاريع تتبلور في ذهن النجار وغيره من أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة بُعيد قرار وقف إطلاق النار وتحسن الوضع الميداني نسبيًا، حيث لاحظ تعطش الناس لأي مساحة تذكرهم بحياتهم السابقة قبل أن تأتي آلة الحرب على مشروعه القديم وتحيله رمادًا.
يقول لـ "نوى" إن العودة كانت بمثابة مغامرة انتحارية في ظل انعدام مواد البناء الأساسية كالإسمنت، مما دفعه لابتكار بدائل هيكلية من مواد الإغاثة والعوازل البلاستيكية، ليضفي عليها لمسات جمالية تجذب فئة الشباب الذين يهربون من ضيق الخيام إلى ضجيج الموسيقى والقهوة.
وعلى بعد مسافة قصيرة من مقهى النجار، يبرز عادل اسليم (42 عامًا) كبطل آخر في قصة التحول القسري؛ فبعدما كان يدير قطاعًا للمقاولات والإنشاءات، وجد نفسه مضطرًا لافتتاح صالة أفراح حديثة ليعيل أسرته، مدركًا أن قطاع البناء سيظل معطلاً لسنوات.
يروي اسليم لـ "نوى" كيف جمع شتات صالته من بين الأنقاض، حيث اشترى الكراسي وأجهزة الصوت من قاعات مدمرة في شمال وجنوب القطاع بأسعار خيالية، واصفًا عملية التأسيس بأنها كانت رحلة في حقل ألغام اقتصادي، فكل شيء تضاعف ثمنه عشرات المرات، لكنه يصر على أن مشروعه يمثل فرصة لإنعاش إيقاع الحياة الطبيعية ولو بالحد الأدنى.
هذه المشاهد لا تعكس حال 95% من السكان الذين يعتمدون كليًا على المساعدات الإنسانية، حيث قفزت معدلات البطالة فوق حاجز 80% والفقر إلى 90%.
غير أن هذا المشهد الساحلي الذي تزدحم فيه السيارات وتشتعل فيه أضواء "المولات" الجديدة على شارع الرشيد، يثير ريبة الخبراء الاقتصاديين الذين يصفون "اقتصاد بقاء" مخادعًا.
الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر يوضح لـ "نوى" أن ما تراه العين ليس انتعاشًا حقيقيًا، بل هو قطاع خدماتي يحاول إحياء نفسه لسهولة حركته مقارنة بالقطاعات الإنتاجية المتعطلة التي تحتاج للمواد الخام.
ويكشف أبو قمر بلغة الأرقام القاسية أن هذا لا تعكس حال 95% من السكان الذين يعتمدون كليًا على المساعدات الإنسانية، حيث قفزت معدلات البطالة فوق حاجز 80% والفقر إلى 90%، وأن من يرتادون هذه الأماكن لا يتجاوزون 5% من المجتمع، وهم بقايا طبقة قادرة على الاستهلاك في ظل اختفاء الطبقة المتوسطة تمامًا وانزلاقها نحو حافة العوز.
ويشدد أبو قمر على أن هذه الصورة، رغم إيجابيتها الظاهرية كدليل على الصمود، قد استُغلت لتضليل الرأي العام العالمي، وكأن غزة تعيش رفاهية اقتصادية، بينما الحقيقة أن الاحتلال لا يزال يتحكم في "صنبور" المواد الخام ويمنع دخول الآليات الثقيلة لإزالة الركام، مما يجعل أي حديث عن تعافٍ حقيقي دون فتح المعابر مجرد وهم بصري.
ربّما يبدو المشهد في غزة متناقضًا، معلقًا بين رغبة جامحة في الحياة وبين واقع اقتصادي مهشم؛ فأصحاب المشاريع يحاولون سرقة لحظات الفرح من فك الأزمة، بينما يبقى التحذير الاقتصادي قائمًا بأن هذه الأنشطة تظل قشرة خارجية لا تعالج الاختلالات الهيكلية المزمنة.
غزيون يعتبرون أن الأضواء التي تنعكس على مياه بحر غزة اليوم قد تمنحهم شعورًا مؤقتًا بالأمان، لكنها لا تستطيع إخفاء حقيقة أن المدينة لا تزال تقاوم تحت وطأة "هندسة المجاعة"، وأن التعافي الحقيقي يحتاج لما هو أكثر من مجرد ديكورات بلاستيكية وموسيقى تخفي أنين الجوع في الخيام المجاورة.
























