شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 24 ابريل 2026م11:43 بتوقيت القدس

آخر ضحية كانت طفلة نائمة "لانا السبع"..

عن الموت دهسًا.. وحياة معلّقة بين خيمةٍ وطريق!

08 ابريل 2026 - 14:16

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يعد الرصيف مجرد مساحةٍ عابرة في غزة، بل تحوّل إلى سقفٍ مؤقتٍ للحياة، وإلى حافةٍ مفتوحةٍ على الموت في كل لحظة.

هناك تمرّ السيارات مسرعةً، وتتشابك الطرقات مع الخيام الهشة، حيث تعيش آلاف العائلات حكايات نزوحٍ لا تنتهي، بعدما ضاقت بهم الأرض بما رحبت، ولم تترك لهم الحرب خيارًا سوى أن يفترشوا الشارع، ويعلّقوا حياتهم على أعمدة قماشٍ لا تقيهم خطرًا ولا تمنحهم أمانًا.

عند شارع البحر في بلدة الزوايدة، وسط قطاع غزة، كانت عائلة الطفلة لانا السبع تحاول الخلود إلى النوم داخل خيمتها.

الساعة اقتربت من العاشرة مساءً حين شقّ الظلام صوت اصطدامٍ عنيف. تقول والدة الطفلة لـ"نوى": "استيقظنا مفزوعين، لم نفهم ما الذي حدث، كان الظلام حالكًا".

خوف تسلل في العتمة، ويدٌ تبحث عن هاتفٍ قد يكشف الحقيقة، وحين اشتعل الضوء لم تعد الحياة كما كانت قبل لحظات.

تحكي: "رأيت لانا غارقةً في دمائها، حاولت سحبها من تحت أعمدة الخيمة الحديدية، لكن جسدها كان عالقًا تحت ثقل المركبة التي اقتحمت المكان وداست كل شيء".

لم يكن الصوت مجرد حادث، بل كان النهاية التي لم تكن في الحسبان، النهاية التي جاءت من طريقٍ ظنّوه أقل خطرًا من القصف.

بصوتٍ يكاد يختنق، تتابع الأم المكلومة: "كل قوة السيارة ارتطمت برأس وجسد لانا، لم أتمكن من إخراجها، حتى مزّق أحد الجيران الخيمة لنحاول إنقاذها".

في تلك اللحظة -تصف الأم- لم يكن هناك وقتٌ للبكاء، فقط محاولةٌ يائسة للإنقاذ، قبل أن يتسلل الإدراك ببطءٍ قاتل: "الضربة قاضية".

حملها والدها إلى المستشفى الأمريكي الميداني، كمن يحمل ما تبقى من قلبه بين يديه، وهناك، حاول الأطباء إنعاشها، بينما كانت تنظر إلى أمها بعينين معلقتين بين الحياة والغياب.

"كانت تريد أن تقول شيئًا"، تخبرنا الأم، "ثم شهقت شهقتها الأخيرة"، وعندها فقط انتهت الحكاية، وبدأ فراغٌ لا يُملأ، فراغٌ تركته طفلةٌ لم تنجُ من موتٍ كان ينتظرها خارج كل الحسابات.

لم تكن هذه الخسارة لتحدث لولا أن الحرب دفعتهم إلى هذا المصير، "الحرب أخذت مني كل شيء.. بيتي وطفلتي التي هربتُ بها من الموت مراتٍ عدة".

ولأن المأساة لا تخص عائلةً واحدة، تتكرر الحكاية بصيغٍ مختلفة، فمهند سعد، الذي نزح من حي الشجاعية، لم يجد مكانًا يأوي إليه سوى رصيفٍ في شارع عمر المختار غربي غزة.

يقول: "نزحنا عشرات المرات، وفي كل مرة تضيق بنا الأماكن، حتى لم أجد سوى الرصيف".. لم يعد يسأل عن الراحة، بل عن مكانٍ يضع فيه خيمته دون أن يطرده أحد، أو يدهسه خطر.

"لا يوجد في الدنيا أصعب من أن يكون الشارع مأواك الأخير، حيث لا جدران تحمي، ولا أبواب تُغلق".

ينظر إلى خيمته الممتدة على حافة الطريق، ويقول بصوتٍ مثقل: "لا يوجد في الدنيا أصعب من أن يكون الشارع مأواك الأخير، حيث لا جدران تحمي، ولا أبواب تُغلق، تصبح الحياة مكشوفةً بالكامل".

لا يخاف سعد من الفقر بقدر ما يخاف من المفاجأة. يروي: "نجونا بأعجوبة حين انحرفت مركبة داخل الخيمة"، ثم يضيف بجملةٍ تختصر كل شيء: "تيجي بالخيمة ولا في حدا من الأولاد".

أما هدى أبو مرسة، التي نزحت من بيت حانون، فتعيش خوفًا مضاعفًا على حفيدتها وتين، الناجية الوحيدة من عائلتها.

على شارع البحر، حيث لا مطبات تُبطئ المركبات، ولا حواجز تُبعد الخطر، تقضي يومها في مراقبة الطريق، وتقول: "أعيش صراعًا يوميًا، أخاف عليها من السيارات المسرعة، وحاولتُ حماية خيمتي بما توفر، وصنعتُ لها بابًا من النايلون".

وتزيد: "هذه الطفلة أمانة في عنقي.. أعرف أن ما أفعله لا يكفي، وأن الخطر أقرب من أن يرده القماش لكنني أحاول".

وتروي كيف انقلبت مرةً مركبةً أمام خيمتها، وكيف نجا العشرات بالمصادفة: "لو انحرفت نحو الخيام، لكانت كارثة".

ثم تكمل: "حاول الجيران أن يجدوا حلولًا، فاقترحوا حفر الطرقات لإجبار السائقين على التمهل، لكن حتى هذا الحل البسيط يحتاج إلى أدواتٍ لا يملكونها".

في نهاية هذا المشهد المفتوح على الخطر، لا يطلب النازحون الكثير، فقط سواتر إسمنتية، أو مكعباتٍ تفصل بينهم وبين الطريق، وبين حياتهم والموت.

وبين خيمةٍ وأخرى، تستمر الحياة على حافة الطريق، حيث صار الخوفُ جزءًا من اليوم، وحيث صار للموتِ أشكالًا لا تُحصى بغزة.

كاريكاتـــــير