شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 29 ابريل 2026م21:00 بتوقيت القدس

ينتجن العسل لإعالة أسرهن بالضفة..

مُربّيات نحلٍ يجنين الرحيق من أرضٍ مُطوَّقَة

07 ابريل 2026 - 11:45

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بين شدة اللسعات وحلاوة الرحيق، ترسم نساء الضفة الغربية مساراً خاصًا، غير معتادٍ لامرأة أن تسلكه، متخذاتٍ من طنين النحل لغةً للاحتجاج على واقعٍ اقتصادي تكبّله كثيرٌ من القيود.

خلف قناع الوجه الواقي، لا تكتفي النحَّالة الفلسطينية باستخراج العسل من خلاياه، بل تستخلص من قلب المعاناة فرصةً للاستقلال المادي، لتعول أسرتها وتلبي احتياجاتها، محوّلةً المَزارع الصغيرة إلى قلاعٍ اقتصادية صلبة تقاوم التهميش والتبعية. 

مع انسداد الأفق السياسي وتصاعد الحصار الاقتصادي، وجدت نسوةٌ في تربية النحل واستخراج منتجاته وسيلةً لانتزاع السيادة على لقمة العيش.

لم تعد تربية النحل في نظرهن مجرد مشروعٍ زراعي تقليدي، بل رمزاً للتنظيم والعمل الجماعي الذي يكسر نمطية الأدوار في المجتمع الريفي. فمع انسداد الأفق السياسي وتصاعد الحصار الاقتصادي، وجدت النسوة في تربية النحل واستخراج منتجاته وسيلةً لانتزاع السيادة على لقمة العيش، بتحويلهن أسطح المنازل والمَزارع الجبلية إلى محطات لخلايا نحل تنبض بالحياة، تتحدى جدار الفصل العنصري ومنطق الاقتلاع ومحاولات التهجير.

تسلّط "شبكة نوى" الضوء على نماذج نسائية استطاعت تطويع التحديات وتحويل رهبة البدايات إلى مشاريع ريادية ناجحة في قطاع تربية النحل. هي حكايا كفاح بدأت بالارتباط الوثيق بالأرض، وتُوّجت بتأسيس اقتصادٍ حرٍّ قوامه الاعتماد على الذات، وغايته المثلى صون الكرامة وتحقيق الاستقلال المادي.

من الخوف إلى ريادة الأعمال

لم تكن البداية في بلدة "كفر ثلث" في محافظة قلقيلية مجرد مشروعٍ تجاري عابر، بل كانت معركة كسر حواجز الخوف عند باكزة شواهنة (46 عاماً). فبين طموحٍ لم تمحه سنوات الانقطاع عن التعليم، وواقعٍ اقتصادي يضغط، شقّت طريقها نحو عالم النحل، لتجعل من لسعاته التي كادت تودي بحياتها يوماً "شهداً" يُطعم عائلتها ويُمهد لها طريق المستقبل.

هي أمٌ لسبعة أبناء، قررت أن تبدأ رحلةً شاقة تتحدث عنها اليوم بابتسامةٍ، تحمل مزيجاً من الفخر: "كان مجرد الاقتراب من الخلية يثير في نفسي رعباً، وكم خشيت من ذلك العالم المجهول وألم لسعاته". لكن باكزة، التي غادرت مقاعد الدراسة باكراً لتتفرغ لحياتها الزوجية وتربية الأبناء، وجدت في "خلايا النحل" فرصةً لإثبات ذاتها وصناعة كيانها المستقل.

"كان طموحي أقوى من خوفي. اليوم لم يعد النحل مجرد مصدر للدخل، بل غدا رفيقاً في الصمود، ودرساً يومياً خلاصته أن النظام والعمل الدؤوب هما مفتاح البقاء".

تقول: "كان طموحي أقوى من خوفي. اليوم لم يعد النحل مجرد مصدر للدخل، بل غدا رفيقاً في الصمود، ودرساً يومياً خلاصته أن النظام والعمل الدؤوب هما مفتاح البقاء".

أدركت باكزة أن الفوضى عدوة النجاح؛ لذا لم تكتفِ بالشغف وحده، ما دفعها للالتحاق بسلسلة من الدورات المتخصصة من أجل تطوير مهاراتها، بدأت بوزارة الزراعة في قلقيلية، مروراً بجمعية جنين لمربيّ النحل، وصولاً إلى تدريباتٍ متقدمة داخل البلاد وخارجها.

هذا التراكم المعرفي مكّنها من فك شيفرات الطبيعة، لتنتج أنواعاً فاخرة من عسل (السدر، والزعرور، والحمضيات، ونباتات الجبل البرية)، متبعةً أعلى معايير الجودة رغم تعقيدات الواقع الميداني.

من خليتين إلى 250 خلية

طريق "عسل الأرض المباركة"- اسم مشروعها- لم يكن مفروشاً بالورود؛ فقد واجهت باكزة تحدياتٍ جسام، أبرزها أزمات التسويق، وصعوبات التنقل في أرجاء الضفة الغربية مع وجود الحواجز واعتداءات المستوطنين، وكذلك تشخيص الأمراض الفتّاكة التي تصيب المناحل.

تتذكر بمرارة خسارتها لستين خلية نحل دُفعةً واحدة بسبب نقص خبرتها في التعامل مع مرضٍ أصابها آنذاك، فضلاً عن حادثة فقدانها الوعي ونقلها إلى المستشفى، في إثر لسعة نحل في بدايات طريقها.

 وتخبرنا بقولها: "بدأت مشروعي بخليتين فقط، وأمضيتُ سبع سنوات من الجهد المتواصل لتوسيع النطاق. اليوم، أمتلك أربعة مناحل تضم 250 خلية موزعةً على أربع مناطق جغرافية".

لم يقتصر نجاحها عليها وحدها، وإنما أصبح المشروع مؤسسةً عائلية، يساندها فيها زوجها وأبناؤها. كما وفرَّ المشروع فرصَ عملٍ لآخرين يُعيلون أسرهم، لتثبت "صديقة النحل" أن الإرادة هي القوة الوحيدة القادرة على صناعة قصة نجاح ملهمة من اللسعات.

اقتصاد مقاوم والخبرة هي التحدي

من جانبها، ترى المهندسة وفاء جودة مديرة الإغاثة الزراعية في بلدة عزون، شرق مدينة قلقيلية، أن قطاعَ تربية النحل بات يُشكل طوق نجاة للأسرة الفلسطينية وقيمةً اقتصادية مضافة، لا سيما مع الأزمات السياسية الراهنة وانعكاساتها المعقدة على الواقع المعيشي للفلسطينيين.

وتستشهد جودة بأنموذج شواهنة التي تصفها بـ"قصة نجاح نموذجية" بدأت بخطوات خجولة؛ وتحكي عنها: "بدأت باكزة مشوارها بخليتين فقط بدعمٍ من الإغاثة الزراعية، واليوم نتحدث عن إمبراطورية زراعية تضم أكثر من مئتي خلية".

ولم يتوقف النجاح عند استخراج العسل، بل امتد ليشمل صناعة تحويلية متكاملة لمنتجات النحل، حسبما تضيف، مثل "العكبر" وحبوب اللقاح، وصولاً إلى مستحضرات التجميل الطبيعية والصابون، ما يعزّز من سلاسل القيمة المضافة للمشروع، وفقاً لرأيها.

هذا النوع من المشاريع الجدوى فيه عالية، إلا أن جودة لا تُغفل الإشارة إلى عقبات الطريق، موضحةً في السياق: "تربية النحل ليست هوايةً فحسب، بل علماً يتطلب وقتاً طويلاً لاكتساب الخبرة، خاصة ًفي جوانب حساسة مثل مكافحة الآفات وتشخيص الأمراض والوقاية منها، وهي الثغرة التي قد تؤدي لخسائر فادحة إذا لم تُسد بالتدريب المستمر".

كما تلفت إلى طبيعة العمل الميداني التي تتطلب مجهوداً عضلياً شاقاً، خاصة في ذروة فصل الربيع ومواسم القطاف؛ وهو ما يفرض نوعاً من التعاون الأسري في العمل. وتؤكد في هذا الصدد: "تحتاج النساء في هذا القطاع إلى شريكٍ مساند، سواء كان الزوج أو أحد أفراد العائلة، لتقاسم الأعباء البدنية، ما يعني أن المشروع خرج عن كونه مبادرةً فردية إلى منظومة إنتاج عائلية متكاتفة".

من الهواية إلى الإنتاج

رزان الخطيب، سيدةٌ في عقدها الرابع، استطاعت أن تطلق شغفًا يسكنها ليصبح مشروعاً إنتاجياً متنامياً. بدأت تجربتها بخليتي نحل فقط، قبل أن تتوسع بالتدريج ليصل عددها إلى عشر خلايا، في مسارٍ يعكس إصرارًا على الاستمرارية وتطوير العمل.

تقول الخطيب: "انطلقت فكرة المشروع من هواية مشتركة بيني وبين زوجي، بخليتين فقط. لكنني شعرتُ مع الوقت أن هذا العمل يمكن أن يكبر ويصبح مصدرَ دخل حق. اليوم أتنقل بين الخلايا وأرتدي "بدلة النحل" بكل ثقة، وأشعر أنني وجدتُ نفسي هنا".

في جبال الضفة، لم تعد مهمة النحل فقط البحث عن الزهور ليمتص رحيقها، بل أخذ أيضاً يُسهم في تثبيت جذور نساءٍ قررّن ألا يتركن أرضهن للريح.

ولا يقتصر نشاطها على إنتاج العسل وبيعه، بل توسَّع ليشمل تصنيع منتجاتٍ من النحل، مثل الصابون العلاجي للبشرة، و"كريمات" للحروق وجفاف الجلد، في محاولة للاستفادة من كل ما تنتجه الخلايا ومنحه قيمةً اقتصادية وصحية.

في جبال الضفة، لم تعد مهمة النحل فقط البحث عن الزهور ليمتص رحيقها، بل أخذ أيضاً يُسهم في تثبيت جذور نساءٍ قررّن ألا يتركن أرضهن للريح، فملأنها عسلاً وكرامة، وبَنيّن مجداً ونجاحاً بمساندة أسرٍ داعمة، رغم صعوبات الرحلة.

كاريكاتـــــير