غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
ما بين ألمٍ لم يبرد بعد، وأملٍ يصرّ على أن يفتح ذراعيه رغم الركام، تقلّب سلسبيل البردويل (25 عامًا) صفحات منصتها الإلكترونية (gazatalents). تتأمل الوجوه والقصص التي استطاعت أن تغيّر مسارها، وتبتسم بفخرٍ خافت لما حققته لشبانٍ يشبهونها في العمر والوجع والطموح.
تغلق عينيها بقوة، كأنها تحاول صدّ ذاكرةٍ تعود كل مرة من الباب ذاته: لحظة استشهاد رضيعتها سيلا، ذات العام وأربعة أشهر، وانقلاب حياتها رأسًا على عقب منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
تقول بصوتٍ يحاول التماسك: "لم أكن قد فطمت طفلتي حين استشهدت مع زوجي وبقية العائلة. أربعة أشهر كنت أسيرة حزنٍ كاد يقتلني، حتى وقفت مع نفسي وقررت النهوض من جديد".
سلسبيل، من مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، درست إدارة الأعمال الإلكترونية، وتتابع اليوم دراستها في تصميم وبرمجة تطبيقات الهواتف الذكية، متخصصة في العمل عن بُعد، وفي مجال تجربة المستخدم وواجهات الاستخدام، حيث يتقاطع الفهم الإنساني مع التقنية لإنتاج حلول تلبي احتياجات الناس.
تستعيد تفاصيل حياتها قبل الحرب مشيرةً إلى إنها تزوجت عام 2021م، وأنجبت طفلتها سيلا، وواصلت عملها عن بُعد بدعمٍ كامل من زوجها، ما منحها ثقة مضاعفة بنفسها.
ومع اندلاع الحرب، نزحت العائلة من منزلها في المغازي شرقي المحافظة الوسطى إلى "شاليه" عائلي في مدينة رفح جنوبي القطاع، حيث تعرّض المكان للقصف في الثاني عشر من يناير/كانون الثاني 2024م.
تتوقف قليلًا، تتنهّد، وتغلق حاسوبها المحمول بعد أن استعرضت صور شبّان وشابات حصلوا على فرص عمل خلال الحرب عبر مشروعها. تدير عينيها في أرجاء المقهى الذي تعمل منه اليوم، وقد تحوّل، مثل كثير من الأماكن، إلى مساحة عمل مدفوعة الأجر في زمن الطوارئ، وتتابع: "قصفوا البيت بعد أن تناولنا العشاء. كنت على وشك النوم، غفوت قليلًا ثم استيقظت فزعة على صراخ طفلتي. وجدت نفسي وسط نارٍ كثيفة، ولم أستوعب فورًا أننا تعرضنا للقصف".
استشهد ثمانية عشر فردًا من عائلة زوج سلسبيل، بينهم هو نفسه. لم ينجُ من المجزرة سواها، وزوجة شقيق زوجها، وشقيقته، اللتان تتلقيان العلاج خارج القطاع.
في تلك الليلة، استشهد ثمانية عشر فردًا من عائلة زوجها، بينهم هو نفسه. لم ينجُ من المجزرة سوى سلسبيل، وزوجة شقيق زوجها، وشقيقته، اللتان تتلقيان العلاج خارج القطاع.
أما هي، فعادت إلى منزل أهلها في مخيم النصيرات، تحمل جرحًا مفتوحًا، وفقدًا مضاعفًا، وبقايا أمومة لم تكتمل لطفلة لم تُفطم بعد.
تخبرنا أنها عانت نفسيًا بشدة، خاصة أن رضيعتها كانت ملتصقة بها في كل لحظة. "زوجي كان سندي لسنوات، لكن الحزن الذي فطر قلبي دفعني للاختيار بين قرارين: إما الاستسلام، أو النهوض".
كانت سلسبيل قد فقدت كل شيء، فاقترضت مبلغًا لشراء حاسوب جديد، وبدأت العمل من جديد، كمن يتشبث بآخر خيط نجاة.
قدّمت نفسها باحترافية للعملاء، حتى حصلت على فرصة مع شركة "فورلانسو"، حيث عملت في تصميم المواقع ثم في التسويق الرقمي.. وهناك، ولدت الفكرة.
وتضيف: "ما يميّز فورلانسو أنها تقدّم حلولًا لمشكلات العاملين عن بُعد، فخطرت لي فكرة إنشاء منصة خاصة بالشبان الذين عانوا كما عانيت، توفر لهم حلولًا حقيقية، وتعرّف العالم بأن في غزة مختصين في مجالات متعددة".
تبنّت "فورلانسو" فكرة سلسبيل، وساعدتها في تصميم الموقع الذي انطلق في أغسطس/آب 2024م، وهو العام ذاته الذي حمل فاجعتها. خلال العمل، رصدت أبرز التحديات التي تواجه الشبان في القطاع: العمولات المرتفعة على منصات العمل العالمية، وضعف مهارات التفاوض، والمنافسة الشرسة.
ومن هنا، اقتنعت بضرورة بناء هوية رقمية لكل شاب وفتاة، تمكّنهم من عرض مهاراتهم، وتسهّل حصولهم على مستحقاتهم المالية عبر البنوك دون عمولات.
"استطعنا إدخال ما مجموعه 600 ألف دولار إلى قطاع غزة منذ انطلاق الموقع، كما حصل 13 شابًا وفتاة على عقود عمل دائمة من خلال المبادرة".
انطلقت سلسبيل بدايةً مع صديقة تعمل في مجال التسويق، ثم انضمت إليهما ثلاث شابات أخريات. عملن معًا بجهد مكثف على تصميم المنصة، وتسويقها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتواصل مع شركات عربية وأجنبية.
نجحن في استقطاب نحو 500 شاب وشابة، تنوّعت تخصصاتهم بين البرمجة، والتصميم، والترجمة.
وتزيد بفخر: "المبادرة غير ربحية حتى الآن. ساعدنا الكثيرين في إيجاد فرص عمل، ونفذنا تدريبات مهمة لتطوير مهارات التفاوض والتسويق. استطعنا إدخال ما مجموعه 600 ألف دولار إلى قطاع غزة منذ انطلاق الموقع، كما حصل 13 شابًا وفتاة على عقود عمل دائمة من خلال المبادرة".
تضم واجهة الموقع ملفات تعريفية باللغتين العربية والإنجليزية، وصورًا شخصية، وهويات رقمية، وتفاصيل عن المهارات، إلى جانب إعلانات تدريب وفرص عمل متاحة.
"أغلب عملائنا من دول الخليج، والأردن، وكندا، هذا التنوع مهم. أشعر أنني أنجزت ما كنت أصبو إليه في هذه المرحلة".
تبتسم وهي تتابع: "أغلب عملائنا من دول الخليج، والأردن، وكندا، هذا التنوع مهم. أشعر أنني أنجزت ما كنت أصبو إليه في هذه المرحلة".
وتوضح أن المشروع لا يزال غير ربحي، وأن الدعم المالي المؤقت يأتي من "فورلانسو"، لكنها تطمح مستقبلًا إلى افتتاح مساحات عمل منخفضة التكلفة للعاملين عن بُعد، وخدمة خمسة آلاف شاب وشابة خلال العام الحالي.
تحاول سلسبيل أن تُحكِم ابتسامتها، وتغمض عينيها بقوة، قبل أن تقول: "أريد أن أكون قدوة للشبان في مثل عمري. أحاول أن أتمسك دائمًا بأن هناك أملًا، وأن الحياة، رغم كل شيء، لم تتوقف.. أبدًا".
























