الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يتوقع يومًا المزارع عايد موسى كعابنة، أن يتحوّل نبع الماء الذي كان بمثابة شريانَ حياةٍ له ولعشيرته إلى أداة تهديدٍ يومي. فهذا النبع في الأغوار، الذي لطالما قصده الرعاة والمزارعون الفلسطينيون، بات اليوم محاطًا بالمستوطنين ومُدرجًا على خرائط ما تُسمى "السياحة الاستيطانية"، في مشهدٍ يتكرر بأشكالٍ مختلفة في مناطق عدة في الضفة الغربية.
يقول كعابنة بقهرٍ واضح، في أثناء حديثه لـ"شبكة نوى": "الماء هنا كان للجميع. اليوم نُحرم منه بالقوة، ونُطرد كأننا دخلاءٌ على أرضنا".
"الماء هنا كان للجميع. اليوم نُحرم منه بالقوة، ونُطرد كأننا دخلاءٌ على أرضنا (..) الينابيع، التي شكّلت لعقودٍ مصدرَ حياةٍ للفلسطينيين، تحوّلت تدريجًا إلى نقاط سيطرةٍ وصراع".
فيما يخبرنا المزارع داود حريبات من قرية سكة، التابعة لدورا الخليل، قائلاً: "في منطقتنا عيونُ ماء كثيرة، كنا نشرب منها ونروي المزروعات والحيوانات، لكن جميعها ردمها المستوطنون برفقة جيش الاحتلال. حتى آبار الجمع المحفورة منذ القدم في أراضينا، يُلقي المستوطنون أغنامهم النافقة فيها لتتعفن وتلّوث المياه. نحن نعطش ونضطر لشراء "تنكات الماء" بمبالغ كبيرة، وكثيرٌ من أشجارنا جفّت لانعدام المياه".
إذن، يبدو جلياً أن الاقتراب من عيون الماء في الضفة الغربية أصبح مخاطرةً محسوبة. فهذه الينابيع، التي شكّلت لعقودٍ مصدرَ حياةٍ للفلسطينيين، تحوّلت تدريجًا إلى نقاط سيطرةٍ وصراع، تُطوَّق بالبؤر الاستيطانية، في مسارٍ يُعيد تعريف المكان، ويُقصي أصحابه الأصليين عن موردهم الأهم.
المناطق الزراعية في عين الخطر
لا تقتصر معركة الفلسطينيين مع المستوطنين على ينابيع الأغوار فحسب، بل تمتد أيضاً إلى وسط الضفة الغربية وجنوبها، حيث تحوّلت عيون الماء إلى أدواتٍ للسيطرة على الأرض وإفراغها من سكانها الأصليين.
يبلغ عدد العيون في الضفة الغربية نحو 156 عينًا، غالبيتها كانت عُرضةً للسيطرة أو تضييق المستوطنين، حسب جمعية الهيدرولوجيين الفلسطينيين.
ويرى رئيسها الدكتور عبد الرحمن التميمي، أن استهداف عيون الماء يسير على نحو ممنهج، سواء بالسيطرة المباشرة، أو منع الفلسطينيين من الوصول إليها، أو تغيير استخدامها.
ويوضح في حديثه لـ"نوى": "نتحدث عن 156 عيناً في الضفة الغربية، أصبح معظمها خارجَ الخدمة لدى الفلسطينيين. السيطرة على المياه ليست إجراءً عابرًا، بل جزءاً من سياسة تهدف إلى إعادة توزيع الموارد بما يخدم التوسع الاستيطاني، ويدفع الفلسطينيين، خصوصًا في المناطق الزراعية والرعوية، إلى الهجرة القسرية بسبب فقدان مقومات الصمود الأساسية".
من جهته، يشير فارس فقها، الناشط ضد الاستيطان وانتهاكات المستوطنين، إلى أن غالبية عيون الماء تقع في الأغوار الفلسطينية، على امتداد وادي الأردن، حيث تلعب دورًا محوريًا في النشاط الزراعي والرعوي.
ويلفت إلى أن ثماني عيونٍ سيطر عليها المستوطنون في مناطق الأغوار الشمالية وحدها، وقد بدأوا بعَيْن الحلوة، ثم اتجهت أنظارهم إلى عيون أخرى مثل عين الدير، والساكوت، والبيضا، والحمّة وغيرها.
"سيَّج المستوطنون المنطقة، ورمموا العين وجمّلوها، وحولوها إلى متنزّه تتوفر فيه المقاعد والمظلات وبِرك السباحة ومسارات التنزه، ورافق ذلك شقّ طرق تؤدي إليها".
ويشرح فقها آلية السيطرة لـ"نوى"، قائلاً: "شرع المستوطنون يسيّجون المنطقة، ثم انتقلوا إلى ترميم العين وتجميلها، وتحويلها إلى متنزّه تتوفر فيه المقاعد والمظلات وبِرك السباحة ومسارات التنزه، ويرافق ذلك شقُّ طرق تؤدي إليها، مع وضع لافتات عبرية على الشوارع الرئيسة".
وغالبًا ما يُغيَّر اسم العين العربي الفلسطيني إلى آخَرٍ عبري يحمل رمزية توراتية مقدسة، ثم يُروَّج للمكان بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي والحملات الإلكترونية، ويوضع على الخرائط "جي آي إس"- نظم المعلومات الجغرافية- تبعاً لحديثه.
في الأعياد اليهودية يُستقطب المستوطنون عبر منشوراتٍ وكُتيبات توضيحية، ويصاحب ذلك إقامةُ بؤرةٍ استيطانية رعوية قريبة تُشرف على العَيْن، وتُجلب لها البيوت المتنقلة والخدمات كالماء والكهرباء.
وفي الأعياد اليهودية يُستقطب المستوطنون عبر منشوراتٍ وكُتيبات توضيحية، ويصاحب ذلك إقامةُ بؤرةٍ استيطانية رعوية قريبة تُشرف على العَيْن، وتُجلب لها البيوت المتنقلة والخدمات كالماء والكهرباء، وتُحاط المنطقة بالأسلاك الشائكة، يحرسها مسلحون؛ يمنعون الفلسطينيين من الاقتراب بالقوة، بدعوى الضرورة الأمنية.
ويُعد هذا المسار توظيفًا ممنهجًا للخطاب البيئي ومفاهيم حماية الطبيعة، وغطاءً لسياساتٍ استعمارية بيئية، تُفضي في نهايتها إلى دفع الفلسطينيين للتنازل القسري عن عيون الماء، دون الاستعانة بالجرّافات أو أوامر الهدم.
"من يملك الماء يملك الأرض"
في وسط الضفة الغربية، شكّلت "عَيْن سامية" شرق رام الله، نموذجًا صارخًا لهذا النمط من السيطرة. إذ يفيد رئيس جمعية الهيدرولوجيين، بقوله "كانت المنطقة عرضةً لاعتداءات متكررة، شملت تدمير الآبار وخطوط المياه والكهرباء والبوابات، والاعتداء على الأهالي، وانتهت بسيطرة المستوطنين على الآبار، وتحويل محيطها إلى موقع ترفيهي، بعد أن كانت تزود 12 قريةً من قرى شرق رام الله بالمياه، ما أدى إلى تهجير التجمع البدوي من تلك المنطقة، وينطبق الأمر ذاته على "وادي رِيا" في دير نظام، الذي حوّله المستوطنون إلى مزارٍ سياحي.

أما في جنوب الضفة الغربية، لا سيّما مسافر يطا وبلدات الخليل الشرقية والجنوبية، تواجه عيون الماء مصيرًا قاتمًا، باتباع سياسة التجفيف المتعمد، وسيطرة البؤر الاستيطانية والمستوطنات المجاورة، ما ينعكس على الزراعة وتربية المواشي والحياة اليومية للسكان الفلسطينيين.
حول دور السياحة الاستيطانية في السيطرة على عيون الماء، يؤكد حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة البيدر الحقوقية، أن "السياحة الاستيطانية" صارت أداةً مركزية في المشروع الاستيطاني، تعمل بحثاثة من أجل تحويل العيون إلى محميات طبيعية أو متنزهات تحت حماية جيش الاحتلال، فيما يُمنع الفلسطيني من استخدامها أو حتى الاقتراب منها، كما يقول.
ويضيف حريبات: "لم يتوقف الاستيطان عند مصادرة الأرض بالقوة العسكرية، بل يعمد أيضاً إلى استخدام السياحة وسيلةً ناعمة لفرض السيادة على المكان، وإعادة تعريفه بما يخدم الرواية الاستيطانية".
"لم يتوقف الاستيطان عند مصادرة الأرض بالقوة العسكرية، بل يعمد أيضاً إلى استخدام السياحة وسيلةً ناعمة لفرض السيادة على المكان، وإعادة تعريفه بما يخدم الرواية الاستيطانية".
وتشير تقارير حقوقية إلى أن الاحتلال يسيطر على نحو 84 في المئة من مصادر المياه في الضفة الغربية، تاركاً للفلسطينيين ما نسبته 16 في المئة فقط للاستخدام، ما يُلقي بظلاله على الزراعة والصحة والاستقرار السكاني. وتَعدّ الأمم المتحدة الاستيطانَ في الأراضي الفلسطينية المحتلة "غير قانوني"، وأن استغلالَ الموارد الطبيعية، بما فيها المياه، انتهاكٌ واضح لاتفاقية جنيف الرابعة.
بين السطو والتهديد، أضحت عيونُ المياه في الضفة الغربية رهينةَ مشاريعٍ استيطانية تُعيد رسم الجغرافيا دون الحاجة لضجيج الجرّافات. وبينما تتدفق المياه في البِرك السياحية للمستوطنين، يُدفع الفلسطيني، بدويًا كان أو مزارعًا أو قرويًا، إلى هامش العطش والترحيل، في معركةٍ صامتة عنوانها "من يملك الماء يملك الأرض".
























