غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بين الركام المتناثر في شوارع وأحياء قطاع غزة، لا تقف آثار الحرب عند حدود البيوت المهدّمة والبنية التحتية التي سُوّيت بالأرض، بل تمتد بصمت لتصنع أزمة بيئية وصحية خفيّة، اسمها النفايات الإلكترونية.
ألواح طاقة شمسية محطّمة، وشاشات وأجهزة كهربائية مكسورة، وبطاريات وأسلاك ومعادن ثقيلة، تحوّلت إلى جزء ثابت من المشهد اليومي، تتراكم ببطء لتشكّل تهديدًا طويل الأمد لصحة السكان والبيئة في واحدة من أكثر بقاع العالم اكتظاظًا بالبشر.
وسط هذا المشهد، يعمل عمّال النظافة في تماسٍ مباشر مع الخطر. أمين خِلّة، وهو عامل نظافة في بلدية غزة، يصف يومياته بين الأنقاض قائلًا: "إن كميات كبيرة من ألواح الطاقة الشمسية والشاشات المكسورة تُلقى في الشوارع وبين الركام، دون أي معالجة خاصة".
ويضيف بصوتٍ اعتاد القسوة: "نحن نعمل وفق تعليمات المهندسين، إن قالوا اعملوا نعمل، وإن قالوا اتركوا نترك"، وكأن القرار لا يتجاوز حدود الإشارة، مهما كانت العواقب.

في الأسابيع الأولى من الحرب، مارس العمّال مهامهم بلا أي وسائل حماية، ما ضاعف حجم المخاطر الصحية التي يواجهونها، ورغم توفير بعض القفازات و"البساطير" (الأحذية ذات الرقبة) والزي الرسمي لاحقًا، يؤكد خِلّة أن ذلك لم يوفّر حماية حقيقية في ظل العمل اليومي وسط الغبار الكثيف والمخلّفات المتنوعة.
وفقًا له، كان العمل يتم في ظروف غير طبيعية، يتعرّضون فيها يوميًا لاحتمالات الإصابة بالأمراض، فيما تبقى المطالبة بتجهيزات وقاية متكاملة وتدريب متخصص على التعامل مع النفايات الإلكترونية مطلبًا مؤجّلًا.
بلدية غزة: "الحرب رفعت حجم النفايات الإلكترونية بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المئة".
هذا الواقع تؤكده بلدية غزة، إذ يشير رائد مقاط، مدير دائرة الصحة والبيئة، إلى أن الحرب رفعت حجم النفايات الإلكترونية بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المئة.
ويشرح أن المشهد الحالي يتسم بخلط واسع بين الركام والنفايات المنزلية والطبية والإلكترونية، في ظل غياب شبه كامل لعمليات الفرز، ما يجعل التعامل مع هذه المخلّفات عشوائيًا وخطيرًا في آنٍ واحد.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنه منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023م وحتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025م، جرى توليد نحو 900 ألف طن من النفايات الصلبة في قطاع غزة، جرى تفريغها في مواقع مؤقتة بعد انهيار منظومة إدارة النفايات، كما ارتفع المعدل اليومي للنفايات إلى ما بين 3,300 و3,850 مترًا مكعبًا، مقارنة بنحو 1,300 متر مكعب يوميًا قبل الحرب.
في هذا السياق، يوضح مقاط أن آلية التعامل الحالية مع النفايات الإلكترونية لا تزال بدائية، إذ تُجمع الأجهزة وتُنقل وتُدفن كما لو كانت نفايات عادية أو ركامًا، من دون أي معالجة متخصصة، في ظل غياب منظومة قادرة على التعامل مع خطورتها البيئية والصحية.
د. عبد ربه: "هي نفايات صناعية بالكامل، تحتوي على رقائق إلكترونية ومعادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة، ما يجعلها نفايات خطرة تحتاج إلى إدارة خاصة ومعايير صارمة".
من جهته، يحذّر البروفيسور عبد الفتاح عبد ربه، أستاذ العلوم البيئية والبحرية في الجامعة الإسلامية بغزة، من خطورة النفايات الإلكترونية الناتجة عن الحروب، واصفًا إياها بأنها من أخطر أنواع النفايات على الإطلاق. فهي، كما يقول، "نفايات صناعية بالكامل، تحتوي على رقائق إلكترونية ومعادن ثقيلة ومواد كيميائية سامة، ما يجعلها نفايات خطرة تحتاج إلى إدارة خاصة ومعايير صارمة".
ويشير عبد ربه إلى أن ترك هذه المخلفات في البيئة يعرّض السكان لمخاطر مباشرة، لا سيما الأطفال الذين قد يلمسون الأجهزة المكسورة أو يلعبون بها، ما يفتح الباب أمام حالات تسمم وأضرار صحية جسيمة قد لا تظهر آثارها فورًا.
"النفايات الإلكترونية تمتاز بقدرتها على البقاء لفترات طويلة في البيئة دون تحلل، إذ تستقر في التربة، وتتسلل عبر المياه الجوفية، وتدخل السلسلة الغذائية لتصل في نهاية المطاف إلى الإنسان".
ويشرح الخبير البيئي أن النفايات الإلكترونية تمتاز بقدرتها على البقاء لفترات طويلة في البيئة دون تحلل، إذ تستقر في التربة، وتتسلل عبر المياه الجوفية، وتدخل السلسلة الغذائية لتصل في نهاية المطاف إلى الإنسان.
ويتابع: "دفنها أو حرقها مع النفايات العادية يؤدي إلى انبعاث غازات وأدخنة سامة تلوّث الهواء، وتتسبب بأمراض جلدية وتنفسية، وتشكّل خطرًا مضاعفًا على مرضى القلب والربو، خصوصًا في ظل قرب مكبّات النفايات من المناطق السكنية ومراكز النزوح".

من زاوية صحية، يؤكد د. عبد الله أبو سليمان، طبيب الصحة العامة، أن استمرار تعرّض سكان غزة للنفايات الإلكترونية المختلطة بالركام وبقية النفايات يشكّل خطرًا صحيًا بالغًا. "فالمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة الناتجة عن الحرق المكشوف أو التفكيك البدائي تتسلل إلى أجسام الناس عبر الهواء والغبار والمياه، مسببة أمراضًا تنفسية مزمنة واضطرابات في النمو العصبي والمناعي".
ويشير أبو سليمان إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة، إذ يؤدي تراكم هذه السموم في أجسامهم إلى تأخر معرفي واضطرابات سلوكية قد تحدّ من قدراتهم مستقبلًا، فيما يواجه عمّال النظافة مخاطر مضاعفة بسبب التعرّض المباشر لهذه المواد دون حماية كافية.
د.أبو سليمان: "استمرار غياب منظومة آمنة لإدارة النفايات الإلكترونية قد يقود إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات أمراض الكلى والكبد واضطرابات الغدد الصماء، فضلًا عن زيادة مخاطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب ومشكلات الصحة الإنجابية".
وعلى المدى المتوسط والبعيد، يحذّر الطبيب من أن استمرار غياب منظومة آمنة لإدارة النفايات الإلكترونية قد يقود إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات أمراض الكلى والكبد واضطرابات الغدد الصماء، فضلًا عن زيادة مخاطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب ومشكلات الصحة الإنجابية، بما في ذلك العقم والتشوهات الخلقية، ما ينذر بتحوّل القضية إلى أزمة صحة عامة تهدد المجتمع بأسره.
في المقابل، يرى البروفيسور عبد الفتاح عبد ربه أن التعامل الجدي مع النفايات الإلكترونية لا يمكن أن يبدأ فعليًا في ظل استمرار الحرب والدمار، في وقت ما تزال فيه الأولويات منصبّة على الإنقاذ والإغاثة.
ويؤكد أن البلديات والمؤسسات المحلية تعاني عجزًا حادًا في الإمكانيات، ما يعيق إنشاء منظومة متخصصة للتعامل مع هذا النوع من النفايات.
د.عبد ربه: "أي حلول مستدامة تظل مرتبطة بوقف الحرب تمامًا والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار، عبر إنشاء منظومة متكاملة لجمع وفرز ومعالجة النفايات الإلكترونية والطبية في مواقع مخصصة".
ويضيف: "أي حلول مستدامة تظل مرتبطة بوقف الحرب تمامًا والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار، عبر إنشاء منظومة متكاملة لجمع وفرز ومعالجة النفايات الإلكترونية والطبية في مواقع مخصصة، تعتمد أسسًا علمية لإعادة التدوير وعزل المواد السامة".
في قطاع غزة، لا تبدو النفايات الإلكترونية مجرد مخلفات جانبية للحرب، بل أزمة بيئية وصحية مؤجّلة. وبينما ينشغل العالم بصور الدمار والخسائر البشرية، تواصل هذه النفايات تراكمها بصمت، مهددة الأرض والمياه والهواء، ومخلّفة آثارًا قد تمتد لعقود، ما لم تُدرج ضمن أولويات الاستجابة الإنسانية وإعادة الإعمار.
























