غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كثيراً ما أغمضت حلا عينيها وتخيلت أن من حولها ينادونها "دكتورة حلا"، ولطالما رَاودها الطبُ أُمنيةً منذ الصغر، وقد أرادت بدراسته تقديم العون لكل محتاج.
لكن الأحداث غيرّت مجرى حياتها، ففي منتصف مايو 2024، أُصيب شقيقها أحمد إصابةً بالغة طالت جميع أنحاء جسده، بدأ بعدها رحلةً طويلة من العلاج خارج قطاع غزة، في مصر، برفقة والدها حسن بركات، المعيل الوحيد للعائلة، وهنا تحديداً اختلَّ الميزان.
آلاف الطلبة في غزة ممن أنهوا الثانوية العامة، تبّخرت آمالهم وطموحاتهم في استكمال دراستهم الجامعية، بسبب عقبات اقتصادية جراء الحرب
تفوقت حلا بركات بالحصول على معدل 96.3 بالمئة في الفرع العلمي، وهي واحدةٌ من آلاف الطلبة في غزة ممن أنهوا حديثاً مرحلة الثانوية العامة، وقد تبّخرت آمالهم وطموحاتهم في استكمال دراستهم الجامعية وبناء مستقبلٍ مشرق، حيث تواجههم عقبات اقتصادية كأداء جراء الحرب، تحول دون تسجيلهم في التخصصات التي يرغبون بها، إضافةً إلى ضعف فرص الحصول على مِنحٍ دراسية، وارتفاع الرسوم الجامعية.

تروي حلا لـ"شبكة نوى" عن الظروف القاهرة التي مرت بها: "أرغمتنا الحرب على النزوح عدة مرات في العامين الماضيين. فقدنا كل شيء تقريبًا، ولم يعد لدينا حتى ما يكفي لتدبر شئون المعيشة اليومية. وأمام هذه الظروف، يبدو حلم دراسة الطب بعيد المنال، رغم أني ما زلت متمسكة به".
وتناشد ضمائر الخير أن تمنحها فرصةً لتحقيق حلمها بالالتحاق بالجامعة الإسلامية، "كل ما أطلبه فرصةً لأصبح طبيبةً تخدم مجتمعها وتساهم في شفاء الناس"، تقول الفتاة.
بلا أفقٍ واضح للمستقبل
اِجتازَ الأخوة الثلاثة غدير، ومريم، وعلي أبو مشايخ مرحلة الثانوية العامة (التوجيهي) بنجاح، لكن الفرحة لم تكتمل. غدير حصلت على معدل 57%، ومريم 77%، ونال علي 80%، إلا أن هذه المعدّلات لم تفتح لهم أبواب الجامعات بسبب الواقع الاقتصادي الخانق الذي فرضته الحرب.
يتحدث والدهم لـ"نوى" بحرقةٍ عن معاناة أسرته قائلاً: "قبل الحرب كنت أعمل وأجتهد حتى أوفر لأولادي حياةً كريمة، واليوم أصبحتُ بلا عمل، الحرب سلبتنا مصدر رزقنا، وتركتنا عاجزين حتى عن تحقيق أبسط أحلام أبنائنا".
يتساءل أبو مشايخ بحنق: "أين المبادرات؟ أين الجهات التي تعلن دعمها للطلبة؟ أبنائي اليوم بلا جامعة، وبلا أفقٍ واضح للمستقبل".
هذا الأب، كان يود كثيراً أن يفرح بدخول أبنائه الجامعة، أن يراهم يحملون حقائبهم، لعلّهم يحظون بمستقبلٍ أفضل، لكن الواقع كان أقوى مني. لم أستطع إلحاقَ أيَّ واحدٍ منهم بالجامعة رغم محاولاتي الكثيرة، والسبب ارتفاع الرسوم"."
يتساءل أبو مشايخ بحنق: "أين المبادرات؟ أين الجهات التي تعلن دعمها للطلبة؟ أبنائي اليوم بلا جامعة، وبلا أفقٍ واضح للمستقبل".
ثلاثةٌ في بيت واحد يجلسون مكتوفي الأيدي، بانتظار فرصةٍ قد تعيد لهم حقهم المكفول في التعليم. ورغماً عنهم، تحولّت أحلامهم، أو بالأحرى حقوقهم، إلى أمنيات مؤجلة، جرّاء حربٍ أنهكت الاقتصاد، وغياب برامج الدعم الكافية للطلبة الناجحين.
نريد تعويض ما فقدناه
أنهت الشقيقتان بيسان وشهد كُلاّب مرحلة الثانوية العامة بمعدلات مرتفعة؛ حيث حصلت بيسان على معدل 85.6%، فيما نالت شهد 89.7%، لكن الفرحة ظلّت منقوصة.
تقول بيسان لـ "نوى": "كنت أحلم بدراسة تخصص هندسة النظم الذكية والحاسوب، إيمانًا مني بأن المستقبل واعد لهذا المجال، ويمكّنني من خدمة مجتمعي وبناء نفسي عمليًا وعلميًا".

لكن هذا الحلم، حسب حديث بيسان، اصطدمَ بعائقٍ مادي قاسٍ، وتضيف: "لا أملك القدرةَ على دفع رسوم التسجيل الجامعي، ولا حتى توفير جهاز "لاب توب"، وهو أداة أساسية لمتابعة الدراسة. ظروفي المادية خارجة عن إرادتي، لكنها لم تطفئ رغبتي في التعلم ولا إصراري على مواصلة الطريق".
"منذ صغري وأنا أتمنى دراسة طب الأسنان، لأخدم الناس وأخفّف عنهم آلامهم، وأبني مستقبلًا مهنيًا أفتخر به، لكن الوضع الاقتصادي الصعب يكبلّنا جميعاً".
أما شقيقتها شهد، فتحمل حلمًا مختلفًا، لكنه لا يقل أهمية، تقول: "منذ صغري وأنا أتمنى دراسة طب الأسنان، لأخدم الناس وأخفّف عنهم آلامهم، وأبني مستقبلًا مهنيًا أفتخر به"، مستدركة بنبرةٍ آسفة: "لكن الوضع الاقتصادي الصعب يكبلّنا جميعاً".
وبنبرة استغراب تضع علامة استفهام: "أين المنح الدراسية؟ الطلبة اليوم بحاجةٍ ماسة للدعم، خاصةً أننا حُرمنا من التعليم لمدة عامين بسبب الإبادة، ونحاول اليوم تعويضَ ما فقدناه".
الساعة الدراسية لم يرتفع سعرها
من جانبه، يؤكد أحمد أبو حليمة مدير شؤون الطلبة في جامعة غزة، أن قطاع غزة يواجه تحدياتٍ جمّة في مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع التعليم، جراء الحرب المدمرة التي ألقت بظلالها الثقيلة على الجامعات والمدارس ورياض الأطفال، وأدت إلى إلحاقِ أضرارٍ جسيمة بالبنية التعليمية.
وأوضح أبو حليمة في حديثه مع "نوى" أن الوصول إلى التعليم في جميع مراحله، وخاصةً التعليم العالي، أصبح يُشكّل تحديًا حقيقيًا أمام الطلبة، بسبب فقدان مصادر الدخل عند معظم الأسر الفلسطينية، والانهيار الاقتصادي الذي عمّ غزة.
"أسعار الساعات الدراسية في الجامعات لم تشهد ارتفاعًا، بل إن بعض الجامعات استجابت للظروف الراهنة وخفّضت رسومها، وإنما العائق الأساسي يكمن في تغير الأوضاع المعيشية لأسر الطلبة".
"أسعار الساعات الدراسية في الجامعات لم تشهد ارتفاعًا، بل إن بعض الجامعات استجابت للظروف الراهنة وخفّضت رسومها، وإنما العائق الأساسي يكمن في تغير الأوضاع المعيشية لأسر الطلبة، وعدم قدرتهم على تغطية حتى الاحتياجات الملّحة، ما جعل تكاليف الدراسة عبئًا يفوق طاقتهم"، كما يقول مدير شؤون الطلبة.
وبيّن أن فقدان ربّ الأسرة مصدر دخله بسبب الحرب، اضطّر أبناءه إلى تأجيل دراستهم الجامعية أو العزوف عن الالتحاق بها، رغم رغبتهم الجامحة في استكمال تعليمهم، الأمر الذي أثّر سلبًا على مسار حياتهم وطموحاتهم.
"فيما يتعلق بالطلبة القدامى، فمن باب التسهيل عليهم، سُمح لهم بتسديد دفعات مالية بسيطة تُمكنهم من الاستمرار في العملية التعليمية، في خطوةٍ تهدف إلى تعزيزِ فرص التعليم العالي".
واستجابةً للواقع الإنساني الصعب، أفاد أن عددًا من الجامعات الفلسطينية قدمت حِزمةً من التسهيلات والمبادرات، "شملت مِنحًا دراسية، في جزء منها "كاملة" للطلبة الجدد، إلى جانب تقديم منحٍ متنوعة للطلبة المتميزين أكاديميًا، وحَفظة القرآن الكريم، والفئات الهشّة وذوي الاحتياجات الخاصة".
وفيما يتعلق بالطلبة القدامى، فمن باب التسهيل عليهم، سُمح لهم بتسديد دفعات مالية بسيطة تُمكنهم من الاستمرار في العملية التعليمية، في خطوةٍ تهدف إلى تعزيزِ فرص التعليم العالي وضمانٍ عدم انقطاع الطلبة عن دراستهم، تبعاً لكلامه.
ورغم التحديات التي تواجه قطاع التعليم في غزة، شدَّد أبو حليمة على أنه لا يزال هناك حرصٌ حقيقي على استمرارية العملية التعليمية ودعم الطلبة، إلا أن الحرب والواقع المعيشي والاقتصادي يُشكلان عائقًا رئيسًا أمام قدرة الطلبة على مواصلة التعليم الجامعي.
























