غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يكن المنخل الذي وضعه محمود حمّاد أمامه يومًا جزءًا من طقس حداد. لم يُخلق لنخل الطحين، ولا لتهيئة المفتول في صباحاتٍ كانت تبدأ بضحكات العائلة وتنتهي برائحة الحطب. ذلك المنخل البسيط، الذي كان شاهدًا على حياةٍ عادية، تحوّل اليوم إلى أداة بحث، إلى الوسيلة الأخيرة المتاحة لرجل يحاول العثور على رفات زوجته وأطفاله، المدفونين تحت أنقاض منزلهم المدمَّر.
في ساحةٍ كانت ذات يوم بيتًا، يقف محمود وحيدًا. لا جرافات، لا فرق إنقاذ، لا آلات ثقيلة تشق الطريق إلى الموت. فقط رجل ومنخل ويدان عاريتان، وقلب مُحمّل بما يفوق طاقة الاحتمال.

ينحني لساعاتٍ طويلة، ينخل الرمل والحجارة، يفتّش بين الرماد عن عظمة صغيرة، عن قطعة قماش، عن أي أثرٍ يقول له إن الذين أحبّهم كانوا هنا ذات يوم.
ستّ طبقات من الركام تفصل الرجل عن عائلته.. طبقات من الإسمنت والحديد والتراب، سقطت دفعة واحدة فوق أحلامهم، في مشهدٍ يقول من رآه إنه يتجاوز قدرة العقل على الفهم، ويكسر أي محاولة للتصديق.

يخبرنا محمود أنه ينخل الأرض كما لو كان يبحث عن حبوب قمح، بينما هو في الحقيقة يبحث عن عظام أحبّته، عن أثرٍ أخير يسمح له بوداعٍ يشبه البشر، وداعٍ لا يُختصر برقمٍ أو خبرٍ عاجل.
ويقول: "منذ لحظة القصف، لم أغادر المكان. أنام قرب الركام، وأستيقظ عليه. أحسب الوقت بعدد الشاحنات التي كان يمكن أن ترفع هذا الدمار لو وُجدت، وبعدد الأيام التي تمرّ دون أن أعثر على أسرتي. ومع ذلك، أنا أستمر".

بيديه المجرّدتين، أزاح أكوامًا كبيرة من الركام، لكن جسده النحيل يحمل آثار هذا العناء؛ تشققات في الكفّين، آلام مستمرة في الظهر، وسعال لا يفارقه بسبب الغبار، ومع كل حجرٍ يزيحه، يقترب خطوةً أخرى من حقيقةٍ يخشاها ويحتاجها في آنٍ واحد.
يشير إلى أنه حين يعثر على عظمة، يرفعها بحذرٍ شديد، كما لو كان يحمل طفلًا نائمًا. يضعها جانبًا، ينظفها من التراب، ويجلس للحظةٍ صامتًا، بلا صراخ، ولا دموع عالية. فقط صمتٌ ثقيل، كأن الكلمات خانته إلى الأبد.
لم يكن محمود يبحث عن معجزة، ولا عن ناجين. كان يعرف منذ الأيام الأولى أن عائلته رحلت، وما يريده فقط هو أن يجدهم بأجساد كاملة قدر الإمكان، أن يجمع رفاتهم بيديه، وأن يدفنهم بكرامة. "لا أريد أن يظلوا تحت الركام"، يقول لمن يمرّ. "هذا حقّهم عليّ".
في مكانٍ آخر من العالم، قد يبدو هذا المشهد مستحيلًا، أو أقرب إلى خيالٍ مظلم. أمّا هنا، فقد صار جزءًا من يوميات الناس.. رجال ونساء يبحثون عن أحبّتهم بأدوات بدائية، وسط انعدامٍ شبه كامل للإمكانات، وفي غيابٍ تام لأي دعمٍ حقيقي.
ربما ما يعيشه محمود ليس استثناءً في قطاع غزة، وتحت حربٍ صامتة لا يراها العالم، ولا يكاد يعرفها إلا بلون الدم، لكنها واحدة من أكثر الصور قسوةً لما يعنيه الفقد هنا. كما يشير الرجل: "أن تضطرّ لأن تتحوّل بنفسك إلى فريق إنقاذ، وأن تستخدم أدوات المطبخ للبحث عن عظام عائلتك، وأن تقيس حبّك بقدرتك على الحفر، يومًا بعد يوم، دون أن تيأس".
ومع كل منخلٍ يهتزّ بين يديه، ومع كل حفنة ترابٍ تسقط، يواصل محمود فعلته الوحيدة الممكنة: البحث.
بحثٌ لا يعيد الموتى إلى الحياة، لكنه يمنحهم ما تبقّى من حقّهم في الوداع، ويمنحه هو سببًا للاستمرار، ولو ليومٍ آخر.
























