الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في سجن "هشارون"، وقبل نقلها إلى سجن "الدامون" بخمسة أيام، اشتدّ البرد فجأة. الأسيرة المحررة "آيات" (اسمٌ مستعار)، كانت هذه المرة في وجه العاصفة، إذ باغتتها الدورة الشهرية بآلامٍ عنيفة ضربت بطنها وظهرها.
تقول: "كان الجو شديد البرودة، والزنزانة مزودة بكاميرا تراقب كل حركة، ولا تستثني حتى الزاوية المخصصة لقضاء الحاجة. ارتبكتُ ولم أكن أملك أي مقومات لاستقبال هذا الحدث المفاجئ، ولم تكن هناك سجّانات لأطلب من واحدة أن تجلب لي احتياجاتي".
اتجهت آيات بتردد نحو البوابة الحديدية، ونادت سجانًا. طلبت منه فوطًا صحية، فتجاهلها. تحكي بحرقة: "بقيت أُلحّ لوقتٍ طويل، وبعد خمس ساعات أحضروها لي، وكانت ملابسي آنذاك تقطر دمًا".
"أمضيت في السجن 12 شهرًا، انقطعت خلالها الدورة الشهرية تمامًا. خفتُ على نفسي، حاصرتني الهواجس. أنا صغيرة في السن، ومتزوجة حديثًا، وأرغب بالإنجاب".
في الزنزانة الباردة، حيث تُراقَب الأنفاس ونظرات العيون، وحيث تفقد المرأة إحساسها بالزمن، لا تأتي الدورة الشهرية كحدثٍ جسدي عابر. في سجون الاحتلال، تتحوّل إلى اختبارٍ قاسٍ للكرامة، وإلى وجعٍ مركّب يختلط فيه الألم الجسدي بالقهر النفسي، وتُجبر فيه الأنثى على مواجهة طبيعتها تحت عين الكاميرا وقسوة السجّان، بلا حماية، وبلا أدنى مقومات الخصوصية.
لم تكن آيات وحدها في هذه التجربة. الأسيرة المحررة ماريا أيضًا (اسم مستعار)، مرّت بتفاصيل صعبة تتعلق بالدورة الشهرية. أثرٌ مختلف عن ما حدث لآيات، لكنه لا يقل قسوة.
تقول: "أمضيت في السجن 12 شهرًا، انقطعت خلالها الدورة الشهرية تمامًا. خفتُ على نفسي، حاصرتني الهواجس. أنا صغيرة في السن، ومتزوجة حديثًا، وأرغب بالإنجاب".
وتضيف: "الغريب أن عدة أسيرات انقطعت دورتهن مثلي.. راجعتُ عيادة السجن بعد إلحاح شديد، لكن الطبيبة سخرت مني ورفضت التعامل مع شكواي، وبعد أشهر من نيل حريتي، عاد كل شيء إلى طبيعته".

أسيرةٌ محررة أخرى، وتُدعى إيمان، وتعمل أخصائية نفسية، فتضع هذه التجارب في سياقها الأوسع، قائلة: "في الأسر، لا تمر على المرأة الفلسطينية الدورة الشهرية كحدث جسدي طبيعي، بل كتجربة قاسية تختلط فيها آلام الجسد بقهر القيود وقسوة الزنازين".
وفقًا لحديثها، تُرغم المرأة على إمضاء أيام دورتها بمعاناة، وكأنها تعاقب على الطبيعة التي خُلقت عليها. "تتحول الدورة الشهرية من رمزٍ للحياة إلى شاهدٍ على انتهاك الكرامة الإنسانية، وعلى صبر امرأة تقاوم الألم بالصمود، وتُصرّ على الحفاظ على إنسانيتها رغم كل شيء" تضيف.
وتتابع: "الدورة الشهرية عملية فسيولوجية طبيعية تستلزم احتياجات صحية ونفسية وإنسانية أساسية؛ من فوط صحية، وماء نظيف، وصابون، ومحارم ورقية، ومكان خاص وآمن للتنظيف وتغيير الفوط يحفظ الخصوصية، بالإضافة إلى احتياجات جسدية كالراحة والدفء والتغذية ومسكنات الألم، واحتياجات نفسية ومعنوية لا تقل أهمية".
"لا ماء دافئ، ولا حمامات استحمام داخل الغرف. في كل غرفة صنبور ماء بارد واحدة وحوض صغير لكافة الاستعمالات، وحتى المرحاض الوحيد في الغرفة يخلو من أي حنفية".
وفي ظروف قسرية كالأسر -تُكمل- تصبح هذه الاحتياجات أكثر إلحاحًا، لأن غيابها القسري قد يؤدي إلى التهابات وأمراض وآلام جسدية، فضلًا عن الشعور بالمهانة وفقدان الكرامة.
تُحوَّل الغالبية العظمى من الأسيرات الفلسطينيات بعد انتهاء التحقيق إلى سجن "الدامون". ومنذ بدء الحرب على غزة، في السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، ازدادت وتيرة الاعتقالات، بما فيها اعتقال النساء، ما تسبب باكتظاظ شديد داخل الغرف، ونقص حاد في الخدمات المحدودة أصلًا.
"لا ماء دافئ، ولا حمامات استحمام داخل الغرف. في كل غرفة حنفية ماء بارد واحدة وحوض صغير لكافة الاستعمالات، وحتى المرحاض الوحيد في الغرفة يخلو من أي حنفية" تزيد إيمان.
يُخرج السجّانون أسيرات غرفتين أو ثلاث في الوقت ذاته، بعدد يتراوح بين 20 و25 أسيرة في الساعة الواحدة، لتتنافس الأسيرات على الاستحمام بالتناوب وبأقصى سرعة ممكنة.
أما حمامات الاستحمام، وعددها سبعة فقط، فهي موجودة في مرفق خاص داخل القسم، ولا يُسمح للأسيرات باستخدامها إلا أثناء "الفورة" التي حدّدتها إدارة السجون بساعة واحدة يوميًا منذ السابع من أكتوبر.
يُخرج السجّانون أسيرات غرفتين أو ثلاث في الوقت ذاته، بعدد يتراوح بين 20 و25 أسيرة في الساعة الواحدة، لتتنافس الأسيرات على الاستحمام بالتناوب وبأقصى سرعة ممكنة.
وفي كثير من الأحيان، تُقلّص إدارة السجن وقت الفورة إلى 15 دقيقة فقط، أو تُمنع بالكامل كعقوبة جماعية، أو بحجة وجود ظروف خاصة في الخارج.
تُوزَّع الفوط الصحية ومحارم الحمام -وفق الأسيرات اللاتي التقتهن نوى- من أنواع رديئة وبكميات شحيحة، مرتين أسبوعيًا، بمعدل علبتين لكل غرفة، تحتوي كل علبة على عشر فوط فقط.
في تلك اللحظات، تُحرم الأسيرات، وخاصة من تمر عليهن الدورة الشهرية، من النظافة الشخصية والاستحمام وتبديل الملابس، كما تُمنع الأسيرات اللواتي أنهين الدورة من غسل الطهارة والعودة للصلاة.
تُوزَّع الفوط الصحية ومحارم الحمام -وفق الأسيرات اللاتي التقتهن نوى- من أنواع رديئة وبكميات شحيحة، مرتين أسبوعيًا، بمعدل علبتين لكل غرفة، تحتوي كل علبة على عشر فوط فقط.
وفي حال وجود ثلاث أسيرات لديهن الدورة الشهرية في الغرفة نفسها، تكون حصة كل أسيرة فوطة واحدة يوميًا، وهو ما يناقض أبسط قواعد النظافة الشخصية. "أما المحارم الورقية، فتُوزع بواقع لفافتين إلى ثلاث لكل غرفة، مرتين أسبوعيًا" تخبرنا آيات.
"عند اعتراض الأسيرات أو مطالبتهن بالمزيد، لا تستجيب إدارة القسم. خلال حملات القمع، تُصادر الفوط والمحارم والملابس وعبوات الشامبو والصابون، وتُترك الأسيرات بلا أي وسيلة للنظافة الشخصية".
وتزيد: "عند اعتراض الأسيرات أو مطالبتهن بالمزيد، لا تستجيب إدارة القسم. وفي كثير من الأحيان، وخلال حملات القمع، تُصادر الفوط والمحارم والملابس وعبوات الشامبو والصابون، وتُترك الأسيرات بلا أي وسيلة للنظافة الشخصية".
بالعودة إلى إيمان، فتوضح أن بعض الأسيرات كبيرات السن في بعض الأقسام كُن يعانين من سلس البول، ويحتجن للفوط الصحية بشكل دائم، "وهذا كان يزيد الضغط على الكمية المحدودة، ويخلق مشكلات مع الأسيرات الأصغر سنًا اللواتي يحتجن الفوط خلال الدورة الشهرية" تردف.
المحامي الحيفاوي حسن عبادي، الذي يزور أسيرات "الدامون" باستمرار، قال لـ"نوى": "تعاني الأسيرات دائمًا من نقص حاد في جميع الاحتياجات، ويزداد هذا النقص إلحاحًا خلال الدورة الشهرية. من نقص أدوات التنظيف والصابون والشامبو، إلى قلة الملابس، ومحدودية استخدام الحمام، وغياب الخصوصية، خاصة مع وجود الكاميرات في كل مكان وعلى مدار الساعة".
ويردف: "كل ذلك يسبب إزعاجًا كبيرًا للأسيرات، خصوصًا خلال فترة الدورة، إضافة إلى احتمالية تلطيخ الأدوات المشتركة دون إمكانية غسلها، وما يرافق ذلك من إحراج، وروائح وملابس متسخة".
قضية الدورة الشهرية للأسيرات ليست شأنًا خاصًا أو تفصيلاً عابرًا، بل دليل صارخ على منظومة قمع تستهدف الأنوثة بالإهمال المتعمّد، وتحاول كسر المرأة الفلسطينية في أكثر لحظاتها هشاشة.. تفعلُ ذلك، "لكنها لن تنجح في انتزاع إنسانيتها" تعلق آيات.
























