غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن يد إبراهيم أبو شرخ تمتدّ إلى الركام بحثًا عن خطرٍ خفي، بل عن جسدٍ يستحق إكرام صاحبه بالدفن. في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، كانت الأيدي العارية آخر ما تبقّى بين الموتى والسماء المفتوحة، وأبسط ما يمكن تقديمه لمن سقطوا تحت ركام بيوتٍ ظنوها يومًا مأمنًا وأمانًا.
لم يكن إبراهيم، ابن التاسعة والعشرين، يفكّر وهو ينتشل الجثامين من تحت الأنقاض، أن هذا الفعل الإنساني البسيط سيتحوّل لاحقًا إلى مرضٍ يسكن جسده، وإلى ثمنٍ صحيّ يدفعه وحده بصمت. خلال الأسابيع الماضية، بدأ يشعر بصداعٍ شديد، وإرهاقٍ عام، وارتفاعٍ متكرر في درجات الحرارة.
في البداية، ظنّ أن ما يعانيه لا يتجاوز كونه مرضًا شتويًا عابرًا، لكن تكرار الأعراض، وحدّتها، دفعاه للتوجّه إلى المستشفى، وبعد سلسلةٍ من الفحوصات، تبيّن أنه مصاب بجرثومة نادرة في المعدة، لا يتوفّر لها علاج في قطاع غزة، نتيجة إغلاق "إسرائيل" للمعابر.

عندما عرض أبو شرخ نتائج فحوصاته على عدد من الأطباء، لم يقتصر سؤالهم على تاريخه المرضي، بل امتدّ إلى نمط حياته خلال الشهور الماضية. عندها، تكشّفت العلاقة المباشرة بين المرض والعمل التطوعي الذي شارك فيه، حيث ساهم في انتشال عشرات الجثامين لشهداء من تحت أنقاض المنازل المدمّرة في محيط سكنه.
يقول لـ "نوى": "أخبرني أكثر من طبيب أن ملامستي لجثث الشهداء شبه المتحللة كانت السبب في إصابتي بالجرثومة، ونقل الملوثات إلى جسدي"، مضيفًا: "اضطررنا، أنا وبعض الشبان في الحي، لمحاولة انتشال جثامين أقاربنا وجيراننا، بسبب عدم توفّر قدرات لدى الجهات الرسمية للقيام بذلك خلال فترة الحرب".
"رأينا بأعيننا طواقم الدفاع المدني تعمل بأيديها لانتشال الجثث (..) اضطررنا للعمل بأيدينا، وكانت النتيجة إصابتي بجرثومة في المعدة".
لم يكن القرار خيارًا، بقدر ما كان ضرورة. يوضح أبو شرخ أنهم حاولوا التواصل مع وزارة الصحة والدفاع المدني للحصول على أدوات السلامة والوقاية، لكن الرد كان واحدًا: "الاحتلال يمنع إدخال هذه المستلزمات إلى قطاع غزة".
يقول: "رأينا بأعيننا طواقم الدفاع المدني تعمل بأيديها لانتشال الجثث"، ويضيف بمرارة: "اضطررنا للعمل بأيدينا، وكانت النتيجة إصابتي بجرثومة في المعدة".
قصة إبراهيم ليست حالة فردية. قصي صرصور، أحد عناصر الدفاع المدني الذين شاركوا في انتشال جثامين الضحايا خلال حرب الإبادة، يقول أيضًا لـ"نوى" إنه أُصيب بمرض في الكلى نتيجة عمله.

ويوضح أنهم يعملون في ظروف بالغة الصعوبة، دون أي وسائل حماية أو وقاية، ودون معدات ملائمة، مشيرًا إلى أن إصابته جاءت نتيجة استنشاق الغازات المنبعثة من جثامين الشهداء المتحللة أثناء عمليات الانتشال -هكذا أخبره الطبيب.
عمل صرصور إلى جانب طواقم الدفاع المدني في انتشال جثامين الشهداء من المقابر الجماعية المنتشرة في الأماكن العامة والشوارع، ونقلها إلى المقابر الرسمية، وهو ما جعله أكثر عرضة لتلك الغازات والبكتيريا، وفق حديثه.
بصل: "أخطر ما في الأمر هو اضطرار عناصر الدفاع المدني للتعامل المباشر مع الجثث خلال عمليات الانتشال. رصدنا إصابة عدد كبير منهم بوعكات صحية عقب ملامستهم للجثث".
بدوره، يؤكد الناطق باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، لشبكة "نوى" أن الطواقم تعمل بالحد الأدنى من الإمكانيات، وتنتشل جثث الضحايا من تحت الأنقاض والركام دون توفّر المعدات اللازمة وأدوات السلامة، ما يعرّض أفرادها لخطر الإصابة بالأمراض الحيوية.
ويقول: "أخطر ما في الأمر هو اضطرار عناصر الدفاع المدني للتعامل المباشر مع الجثث خلال عمليات الانتشال"، مشيرًا إلى أنهم رصدوا إصابة عدد كبير من العاملين في هذا المجال بوعكات صحية عقب ملامستهم للجثث، تتراوح أعراضها بين ارتفاع درجات الحرارة، والإرهاق، والصداع.
ويلفت إلى أن الجزم القاطع بأن هذه الأمراض ناتجة عن الاتصال المباشر بالجثث يحتاج إلى فحوصات ودراسات غير متوفّرة حاليًا في غزة، "إلا أن المختصين يجمعون على أن غياب وسائل الوقاية خلال عمليات الانتشال قد يؤدي إلى أمراض خطيرة بسبب التعرّض للبكتيريا والغازات السامة" يستدرك.

ويحذر مدير الطب الوقائي في غزة، أيمن أبو رحمة، من أن عدم التعامل الصحيح مع جثث الضحايا المتحللة يمكن أن يؤدي إلى كوارث صحية تطال من يعملون على انتشالها، موضحًا أن التعامل العلمي السليم مع الجثث كفيل بتجنّب الخطر، "لكن الواقع في غزة مختلف، حيث تغيب المعدات التي تتيح انتشال الجثث بطريقة تمنع انتقال الأمراض والأوبئة".
ووفق أبو رحمة، فإن الاحتلال، وعلى مدار عامين من الإبادة، مَنَع إدخال أدوات الوقاية والتعقيم إلى قطاع غزة، ما تسبب بنقص حاد فيها، وساهم بشكل كبير في انتشار الأمراض وانتقالها إلى من يعملون في انتشال جثث الضحايا.
وتقدّر الجهات الرسمية عدد الجثث التي لا تزال تحت الأنقاض في قطاع غزة بنحو عشرة آلاف جثة، في وقتٍ تمنع فيه سلطات الاحتلال إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لانتشالها. بين الركام، تواصل الأيدي العارية عملها: تزيل الركام، تنتشل الجثث، تدفن الموتى، فيما يدفع الأحياء ثمن هذا الواجب الإنساني من أجسادهم.
























