غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في ذروة المنخفض الجوي الذي ضرب قطاع غزة، وتحت خيوط المطر المنهمر بغزارة حتى أغرقت البيوت والخيام معًا، حمل محمود خِلّة غطاءً صوفيًا خفيفًا، وغادر مبيته في أحد مراكز الإيواء شمالي القطاع، قاصدًا بيته المدمّر على بُعد مئات الأمتار فقط.
لم يكن ذاهبًا ليحتمي، بل ليحاول تدفئة أطفاله الذين لا يزال الركام يحتضن رفاتهم منذ أكثر من عامين!
الناجي الوحيد من بين 39 فردًا من عائلته يقول بصوتٍ مرتجف: "كان البرد قاسيًا، وشعرتُ أن أطفالي يستغيثون بالدفء. تخيّلت مياه الأمطار تتسلّل تحت الأنقاض حتى تغمر أجسادهم، فلم أستطع البقاء مكاني، فحملت الغطاء الوحيد الذي أملكه، وفرشته فوق حجارة المنزل، ثم استسلمت لنوبة بكاء هستيرية".

كان يريد أن يحتضنهم، أن يحميهم بجسده، لكنه فشل مرّتين؛ الأولى حين عجز عن حمايتهم من القصف، والثانية تتجدّد كل لحظة وهم مدفونون تحت الأنقاض، لا يستطيع انتشال جثامينهم ولا تكريمهم بالدفن. يضيف: "طرقتُ كل الأبواب، لكن لا استجابة.. الاحتلال لا يزال يمنع دخول المعدات اللازمة لرفع الركام"، يقولها وكأنها اعتراف متأخر بالعجز.
بدأت مأساة خِلّة في الحادي والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2023م، حين خرج من منزله في منطقة جباليا النزلة شمالي غزة بحثًا عن طعام لنحو أربعين شخصًا كانوا يأوون في أربعة طوابق. لم تمضِ دقيقتان حتى تحوّل البيت، ومن فيه، إلى كومة من الركام والرماد إثر قصفٍ إسرائيلي عنيف، قُتل فيه جميع أفراد أسرته، بمن فيهم زوجته وأطفاله.
"كانت صاعقة هزّت كياني بعنف، فسقطتُ مغشيًا عليّ. لا أذكر شيئًا سوى ألسنة اللهب تتصاعد من المكان. استيقظتُ في المستشفى، ولم أستوعب ما حدث إلا بعد خمسة أيام".
يستعيد اللحظة بألمٍ كثيف: "لم أبتعد أكثر من مئتي متر عن المنزل حين مزّق صوت الانفجار قلبي. عدتُ مسرعًا، ولم يخطر ببالي أن بيتي هو المستهدف".
يكمل بصوتٍ متقطع: "كانت صاعقة هزّت كياني بعنف، فسقطتُ مغشيًا عليّ. لا أذكر شيئًا سوى ألسنة اللهب تتصاعد من المكان. استيقظتُ في المستشفى، ولم أستوعب ما حدث إلا بعد خمسة أيام".
في لمح البصر، فقد الجميع: والديه، وأخويه محمد وأحمد وزوجتيهما وأطفالهما، وشقيقته فاطمة وزوجها وأطفالها، وخاله وابنه وأحفاده، وزوجته، وابنته هدى ذات الأربعة عشر عامًا، وابنه محمد البالغ اثني عشر عامًا، وعبد الرحمن الذي لم يتجاوز عمره أربعين يومًا.

تنحدر الدموع على خديه، بينما يلاحقها بطرف قميصه، قبل أن يجمع ما تبقّى في صدره من هواء ليقول: "هدى كانت روح الروح. كنت أحلم باليوم الذي أزفّها فيه بفستانها الأبيض، أما اليوم فلا أحلم إلا بانتشال رفاتها، وإلباسها الكفن الأبيض، ثم تكريمها بالدفن.. هذا الشعور وحده يقتلني كل يوم، وكل لحظة".
أما محمد، الابن الأوسط، فكان رفيق دربه في الحلّ والترحال، بخفة دمه وفطنته التي جعلته قريبًا من الجميع، حتى غدا صديقًا لأصدقاء والده، يطلبون حضوره في كل لقاء. "كان متفوّقًا في دراسته، ويحلم بدخول الجامعة. كنت أحرص على توفير كل ما يحافظ على تحصيلهم العلمي، وأفرح بنموّهم أمامي يومًا بعد يوم، لكن الحرب اقتلعت قلبي من جذوره. منذ عامين، وأنا بلا دفء ولا أُنس".

لم يتوقف الألم عند لحظة الفقد، بل تحوّل إلى حالة مستدامة، يتجدد كلما رأى أبًا يمسك بيد طفله، أو احتفالًا بنجاح ابن، أو موكب فرح تطلّ منه عروس من نافذة سيارة زفاف.
في المقابل، يعيش هو فراغه الواسع متنقلًا بين بيوت الأقارب والأصدقاء، بلا كفٍّ حانية تربت على كتفه، ولا حضنٍ عميق يشبه ذلك الذي كان يمنحه له "حمّود" كلما عاد إلى البيت.
بين أنقاض بيتٍ ومقبرة، تنشطر روح خِلّة صباح مساء، فالركام لا يزال يحتضن رفات ثمانية عشر فردًا من عائلته، ما يضطره إلى تقسيم وقته بين زيارة قبور والده وأخويه، وزيارة والدته وشقيقته وزوجته وأطفاله قرب أطلال البيت المدمّر.
"من أجل جثامين الأسرى الإسرائيليين، تحرّك العالم. في الوقت ذاته، ترقد آلاف جثامين الشهداء تحت الأنقاض دون أن يكترث أحد، وكأننا لسنا بشرًا، ولا نستحق لا الحياة".
وبصوتٍ مثقل بالخذلان، يقول: "من أجل جثامين الأسرى الإسرائيليين، تحرّك العالم وأُرسلت الفرق والمعدات لانتشالهم، في الوقت ذاته، ترقد آلاف جثامين الشهداء تحت الأنقاض دون أن يكترث أحد، وكأننا لسنا بشرًا، ولا نستحق لا الحياة، ولا حتى الدفن بكرامة بعد الموت".
وتشير بيانات مكتب الإعلام الحكومي في غزة إلى أن نحو تسعة آلاف شهيد لا تزال رفاتهم تحت الأنقاض، في ظل عجز طواقم الدفاع المدني عن انتشالهم بسبب النقص الحاد في المعدات، التي يمنع الاحتلال الإسرائيلي إدخالها إلى القطاع حتى اليوم، لتبقى المأساة مفتوحة، ويظل الألم بلا خاتمة.
























