الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تقول الحكاية الشعبية إن ملكًا عظيمًا كان يطارد غزالًا في أحد الجبال الفلسطينية، فسقطَ التاجُ عن رأسه وضاع منه. وبدلاً من أن يصدأ التاج أو يتآكل في تراب الأرض، نبتت مكانه زهرةٌ بيضاء جميلة يتوسطها تاجٌ أصفر. وبقيت لتُذكِّر الناس بأن جمال الطبيعة أبقى من تيجان الملوك.
يُسمي الفلاحون الفلسطينيون الزهرة البرية التي تنمو على جبال فلسطين النرجسَ أو "الرنجس"، لكن، يا للأسف، أنها كغيرها من النباتات البرية تواجه إبادةً صامتة، بسبب تدمير بيئتها الطبيعية المتمثلة في الجبال الصخرية، التي كانت يوماً ما مكسوةً بـالنرجس الأبيض.
علماً أنها من أوائل الأزهار البرية التي تتّفتح في ذروة برد الشتاء ما بين يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط، ما يجعلها مصدراً وحيداً وهاماً لغذاء النحل والحشرات.
أسنان الجرافات تلتهم الزهرة
لطالما تغنّى أهالي القرى بها في أهازيجهم الشعبية، ومنها: "عَ باب البوابة لأزرع لِك رنجس**** خايف يا حلوة عمرك لينقص". ترنيمة تلك الأغنية تثيرُ الحنينَ في كمال البري، المزارع الذي يحب الأرض أيمّا حب، وهو من قرية إماتين في محافظة قلقيلية. يقول لـ "نوى": "أشعر بالقهر حين أرى المستوطنين يدوسون بآلياتهم أزهار َالنرجس وغيرها من النباتات البرية، ويقتلعون الزيتون ويعتدون على الأرض. يحاول أهل القرية منعهم، إلا أن جيش الاحتلال يكون على أهبة الاستعداد لإطلاق النار والقتل".
النرجسَ نباتٌ حساس، "فأيّ تلوثٍ للأرض يقضي عليه ويوقف نموه وتكاثره. وأيُ عبثٍ عميقٍ بالأرض أيضًا يقضي على أبصالها.
في قرية "إماتين" ينمو النرجس في كل مكان تقريبًا؛ بين البيوت القديمة، وتحت الزيتون، وفي الجبال، حسب حديث البري. مؤكداً أن النرجسَ نباتٌ حساس، "فأيّ تلوثٍ للأرض يقضي عليه ويوقف نموه وتكاثره. وأيُ عبثٍ عميقٍ بالأرض أيضًا يقضي على أبصالها، كأن تحفر الجرافات الأرض لتمهيدها، كما أن الأراضي التي يجري فيها الاستصلاح يختفي منها النرجس، لأن الجرافات تُدّمر الأبصال"، تبعاً لكلامه.

وتُنتج بصلة النرجس بُصيلات صغيرة حولها، وبمرور الوقت تنفصل وتصبح نباتات مستقلة. ويشير المزارع كمال إلى نقطة مهمة، وهي أن نمو النرجس بكثافة في منطقة ما، يدل على جودة الأرض وأنها سلمت من الزحف العمراني والملوثات الكيميائية، والسبب يأتي على لسانه: "يُفضّل النرجس الأراضي التي تحتفظ بخصائصها الطبيعية لبقائه. والغريب في الأمر أنك لو رويتَ أبصال النرجس بالماء في الخريف فإنه لا ينبت، بينما تبدأ أوراقه بالاخضرار والنمو نحو سطح التربة عندما تمطر السماء وترتوي الأرض، أما أزهار النرجس فتظهر في ذروة "المربعانية" عندما يشتد البرد".
"عند تقليب الأرض وحراثتها، من الضروري الحفاظ على أبصال النرجس، وتجنب تدميرها. وعند ظهورها على سطح التربة، من المهم إلقاؤها جانبًا في شقوق الصخور أو السناسل لتنمو لاحقًا".
فيما تشغل النباتات البرية مكانةً خاصة في حياة سماح شواهنة، الفلاحة المهتمة بحصرها في منطقتها وتحضير تركيباتٍ عشبية منها.
تحكي لنا ابنة بلدة "كفر ثلث" في محافظة قلقيلية عن النرجس: "ليست مجرد زهرة، بل قصةَ صمودٍ تعود لآلاف السنين على هذه الأرض، نستخلص منها عطورًا زكية، عدا عن استعمالاتها المتعددة في التداوي بالأعشاب. هذه الزهرة جزءٌ من الهوية البيئية والثقافية الفلسطينية، لقد طرّزتها النساء على ثيابهن وأغطية رؤوسهن منذ القِدم، وذكرتها الأمثال الشعبية: "إن طلع الرُّنجس والحنون، ضُبّ بذارك يا مجنون (حيث ينتهي البِذار بظهور زهور النرجس التي تشير إلى "المربعانية" واشتداد البرد".
وبدورها، تنصح شواهنة المزارعين بالتالي: "عند تقليب الأرض وحراثتها، من الضروري الحفاظ على أبصال النرجس، وتجنب تدميرها. وعند ظهورها على سطح التربة، من المهم إلقاؤها جانبًا في شقوق الصخور أو السناسل لتنمو لاحقًا وتعيد دورة حياتها. وأيضاً علينا تجنب قطفها بكميات كبيرة، لتُعطى البذور فرصةً للنمو والنضج والتكاثر".
سحق التنوع الحيوي
يعود التناقص الملحوظ في أعدادِ زهور النرجس إلى عدة عوامل بيئية، أهمها التغير المناخي الذي يتنوع بين جفافٍ وتذبذبٍ في الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، ما أثرَّ على قدرة أبصال النبتة على البقاء والنمو لاحقاً.
في حين أن العوامل البشرية، تتعلق بانتهاكات الاحتلال حين يُطلق أسنان جرافاته لتلتهم الأبصال وتدوسها بعجلاتها الضخمة، وتنزع التربة عن سطح الأرض، ما يمنع من الانتشار الطبيعي للنبتة ويسهم في تناقص أعدادها، والحال ذاته أيضًا ينطبق على جدار الفصل العنصري والمناطق العسكرية المغلقة التي تعزل مساحاتٍ طبيعية واسعة، وتسحق التنوعَ الحيوي فيها.
يخبرنا الناشط البيئي أمين أبو وردة بشأن التأثير المدمر للاستيطان على النباتات البرية عامةً، والنرجس خاصةً، قائلاً: "مصادرة مساحاتٍ شاسعة من الأراضي لخدمة التوسع الاستيطاني، وتجريفها وتمهيدها بالجرافات والآليات الثقيلة لبناء المستوطنات، وشقّ الطرق الالتفافية لها؛ يتسبّب حتماً بتدمير البيئة الحاضنة لأبصال النرجس والنباتات البرية الأخرى".
ويعرب الناشط البيئي عن قلقه من "الذائقة الغربية"- حسب تعبيره- التي يتبناها غالبية المستوطنين، موضحاً: "في كثير من المناطق تُطوّع الجبال والسهول وعيون المياه لإنشاء مرافق سياحية وترفيهية للمستوطنين، كما حدث في "عين البيضا" في الأغوار على سبيل المثال، وفي سبيل ذلك تُدّمر الطبيعة البرية، ويُعاد تشكيلها بما يتناسب مع نهجهم، مما يُلحق أضرارًا جسيمة بالتنوع الحيوي فيها".
جانبٌ آخر لا يمكن إغفاله، وهو ضخّ المستوطنات للمياه العادمة والمخلفات الصناعية نحو الأراضي المحيطة، كما يحدث في قرية "عزون عتمة" في محافظة قلقيلية، حيث تتسبّب بتسمم التربة وقتل النباتات البرية التي تنمو في المنطقة، بما فيها أبصال النرجس.
























