شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 يناير 2026م06:15 بتوقيت القدس

يستقبل مستشفى العيون نحو 200 حالة يوميًا..

عمليات بإمكانات محدودة وعيونٌ تخسر "نورها" بغزة!

19 يناير 2026 - 14:27

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في غرفة عمليات شبه صامتة داخل مستشفى العيون في قطاع غزة، لا تتكدّس الحالات بقدر ما تتراكم المخاوف. أجهزة متوقفة، رفوف شبه فارغة من الأدوية والمستهلكات الطبية، وأطباء يقفون على الحافة بين ما هو ممكن وما هو مستحيل، أمام مرضى يحتاجون إلى تدخل جراحي عاجل لإنقاذ ما تبقّى من نور أعينهم.

هنا، لا يهدد المرض البصر وحده، بل يهدد نقص الإمكانيات حياة المرضى ومستقبلهم، ويحوّل غرفة العمليات إلى مساحة انتظار ثقيلة، معلّقة بين العجز والأمل.

يقف علي الخطيب، والد الطفل تميم، حائرًا أمام معاناة ابنه ذي العامين. تميم، الذي كان من المفترض أن يبدأ اكتشاف العالم بعينيه، فقد القدرة على الرؤية في عينه اليمنى بعد تعرضه لدخان القذائف خلال اجتياح قوات الاحتلال لمناطق شمال قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م. يقول الأب، وصوته مثقل بالحزن والعجز: "كان الدخان كثيفًا جدًا، وبعد أيام لاحظنا أن ابني لا يرى".

لم تمضِ أشهر قليلة حتى اكتشف الأطباء إصابة تميم بالمياه البيضاء، وهو مرض نادر وخطير لدى الأطفال، وغالبًا ما يتطلب تدخلًا جراحيًا دقيقًا وسريعًا.

أُجريت له عملية جراحية قبل ستة أشهر لسحب المياه البيضاء وتغيير العدسة، غير أن النتيجة جاءت صادمة؛ لم تتحسن الرؤية، بل ظهرت مضاعفات أخرى، من بينها كسل العين والحَوَل.

تنقّل الأب بابنه بين عدة مراكز طبية، بحثًا عن نافذة أمل، لكن الإمكانيات المحدودة والنقص الحاد في الأدوية والمعدات الطبية أغلقا كل الأبواب، واليوم، يخشى الخطيب أن تفقد عين تميم اليسرى قدرتها على الإبصار أيضًا، في ظل اعتماد الطفل الكامل عليها.

يضيف بحرقة: "ابني بحاجة إلى تحويلة طبية وعلاج خارج غزة، أريده فقط أن يرى مثل باقي أطفال العالم".

ولا تختلف مأساة تميم كثيرًا عن مأساة الطفلة ماسة النجار، ذات العام الواحد، التي تعاني من مرض الجلوكوما، أو ما يُعرف بضغط العين، في كلتا عينيها منذ أن كانت في شهرها الأول.

تعيش الطفلة مع والدتها في خيمة، بعد تدمير منزل العائلة في مخيم جباليا، وتضطر الأم إلى شراء بعض القطرات الطبية على نفقتها الخاصة، رغم ارتفاع أسعارها وانعدام أي مصدر دخل.

بدأت أعراض المرض بتغيّر لون العين واختفاء القرنية، قبل أن يؤكد الأطباء التشخيص: ارتفاع حاد في ضغط العين يهدد العصب البصري بالضمور الكامل.

وفق والدتها سعاد، أُجريت لماسة عمليتان جراحيتان في محاولة لإنقاذ بصرها، لكنها لا تزال تواجه خطر العمى الدائم.

تعيش الطفلة مع والدتها في خيمة، بعد تدمير منزل العائلة في مخيم جباليا، وتضطر الأم إلى شراء بعض القطرات الطبية على نفقتها الخاصة، رغم ارتفاع أسعارها وانعدام أي مصدر دخل.

تزيد بألم: "أخشى أن أكبر يومًا ولا أرى ابنتي تنظر إليّ، نحن بحاجة للسفر والعلاج فورًا".

داخل مستشفى العيون بمدينة غزة، يقف الدكتور عبد السلام صباح، استشاري جراحة العيون ومدير المستشفى، أمام واقع يصفه بالكارثي، ويحذّر من أن آلاف المرضى، بينهم أطفال وكبار في السن، مهددون بفقدان البصر خلال أشهر قليلة إذا استمر النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الجراحية، ومع استمرار منع الاحتلال للعديد من المرضى من السفر للعلاج خارج القطاع، في إطار سياسة الحصار والتضييق.

ويؤكد أن المخزون المتبقي لا يكفي لأكثر من شهر واحد، وبعدها قد تتوقف العمليات الجراحية بالكامل.

يشير صباح إلى أن نحو خمسة آلاف مريض في غزة يعانون من الجلوكوما، إضافة إلى آلاف المصابين بأمراض الشبكية ومضاعفات السكري، فضلًا عن الإصابات العينية الناتجة عن الحرب، التي تشكّل ما يقارب 10 إلى 11% من إجمالي الإصابات، 20% منها بين الأطفال.

يؤكد مدير المستشفى أن ما تعرّض له لم يكن ضررًا عابرًا، بل تدميرًا ممنهجًا طال غرف العمليات، وأنظمة الكهرباء والطاقة البديلة، وأجهزة التشخيص الدقيقة.

ويستقبل مستشفى العيون يوميًا قرابة 200 مريض، كثير منهم بحاجة إلى عمليات عاجلة مثل إزالة المياه البيضاء، وعلاج انفصال الشبكية، والتعامل مع إصابات الحرب، إلا أن تدمير أجهزة حيوية، أبرزها أجهزة "الفاكو" الخاصة بعمليات المياه البيضاء، جعل إجراء هذه الجراحات شبه مستحيل.

ويؤكد مدير المستشفى أن ما تعرّض له لم يكن ضررًا عابرًا، بل تدميرًا ممنهجًا طال غرف العمليات، وأنظمة الكهرباء والطاقة البديلة، وأجهزة التشخيص الدقيقة.

ورغم إعادة تشغيل المستشفى جزئيًا، إلا أن غياب البيئة التشغيلية الآمنة يهدد بتوقفه من جديد في أي لحظة.

في قطاع غزة، لم يعد فقدان البصر احتمالًا طبيًا فحسب، بل واقعًا تفرضه الحرب والحصار ونقص الدواء. وبين طفل ينتظر أن يرى، وأم تخشى أن يكبر العمى في عيني ابنتها، يقف مستشفى العيون شاهدًا على معركة إنسانية يخوضها الأطباء وحدهم، في انتظار تدخل عاجل ينقذ ما تبقّى من نور.

كاريكاتـــــير