غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
رحلةً يوميةً شاقّة، على متن عربةٍ خشبية بسيطة، يركبها المواطن أكرم المصري مُضطراً، تحديداً على الطريق الممتدة من "تبّة النويري" وسط قطاع غزة وصولًا إلى مدينة غزة، حيث يتشبث الرجل بحوافّ حديدية، خشية السقوط.
ورغم حالته الصحية المتردّية، كونه مصابًا في الحرب وفي جسده شظايا متبقية، فإن "هذا الشكل من المواصلات يبقى خيارًا ليس على هواه. فكلَ مطّبٍ في الشوارع المتهالكة يغدو مصدرَ ألمٍ شديد يصعب تحملّه"، يقول المصري لـ"شبكة نوى".
المشهد الذي تسوده عرباتٌ خشبية أو حديدية، تُجرّ خلف مركبات السائقين، يُتبّع بموجبه نظامٌ، حيث تجلس النساء داخل السيارات، بينما يُرغم الرجال وبعض النساء اللواتي لم يُوفقّن في الركوب داخلها على ركوب عرباتٍ غير مُجهزّة، ما يزيد صعوبةَ الرحلة، تبعاً لكلامه.
ما يجعل هذه الوسيلة محفوفةً بالمخاطر، خاصةَ في العربات الصغيرة والبسيطة، سرعة السير وتهالك البُنية التحتية ووجود مطباتٍ وحُفر في الطرق.
وما يجعل هذه الوسيلة محفوفةً بالمخاطر، خاصةَ في العربات الصغيرة والبسيطة، سرعة السير وتهالك البُنية التحتية ووجود مطباتٍ وحُفر في الطرق.
ويضطر المصري للمبيت في غزة لبضعة أيام، لئلا يتنّقل يوميًا، علّه يتفادى مزيداً من تدهور وضعه الصحي بسبب لجوئه لهذه المواصلات، معربًا عن أمله في أن تنتهي هذه الأزمة في أقرب وقت.
طريق مليء بالمطبّات
وتزداد المخاطر بسبب العوامل الجوية المختلفة، من حرارة الصيف أو برد الشتاء، فضلاً عن مياه الصرف الصحي ومياه الأمطار التي تتجمع على الطرق، ما يحوّل هذه الرحلات اليومية إلى تجربةٍ صعبة تهدّد سلامة المواطنين.
لم تجد بثينة الأقرع مفراً من اللجوء إلى "عربات الجار والمجرور"، رُغم مخاطرها، وهي لا تخرج في كل مرة إلا للمستشفى أو لزيارة عائلية.

تجلس بثينة على العربة الخشبية، ممسكةً طفلها الرضيع في حضنها بكل ما أوتيت من قوة، بينما تُوصي طفليها الآخرين بالتمسك بها جيدًا، لأن انزلاقهما واردٌ في خيارٍ من هذا النوع.
تقول لـ"شبكة نوى": "أدرك أن هذه العربات خطرِة جدًا، لكن نحن مضطرون لقضاء حاجاتنا اليومية، ولا تتوفر بدائل آمنة للنقل".
وتحكي لنا عما تعانيه جراء استخدام وسيلة النقل المستحدثة: "ركبت العربة مع أولادي الثلاثة، وحاولت قدر الإمكان أن أثبّتهم جيدًا. طلبتُ من السائق أن يخفَّف السرعة حتى لا تتأرجح العربة كثيرًا، لكنه لم يستجب. مع كل مطبٍ كنت أنزلق عن المقعد، وظللتُ أعاني من آلامٍ في ظهري لأسبوع كامل بعد ذلك المشوار".
وتتابع: "أنشطة حياتنا اليومية كلها معاناة، نحاول فقط أن نحافظ على سلامة أولادنا ونصل إلى وجهتنا".
أيام سيئة
يجابه السكان في غزة تحدياتٍ لا حصر لها، ومنها المواصلات، فـ 70 في المئة من المركبات كانت عرضةً لأحد أشكال التدمير، وفق وزارة النقل والمواصلات، ما اضطرّ معظمهم للاعتماد على وسائل النقل البديلة، وأشهرها ما يُعرف بـ "عربات الجار والمجرور".
يومياً، يتنقل محمد عدوان، أحد سكان خان يونس، إلى مدينة غزة، بغرض شراء ونقل البضائع، وبطبيعة الحال، يعاني هو الآخر من استخدام هذه العربات.
يقول عدوان: "حسب تجربتي، هذه العربات خطِرة جدًا على سلامتنا، ومع ذلك، لا بديل عنها بسبب تكاليف المواصلات الباهظة".

ويستعيد حادثةٌ وصفها بـ "أسوأ يوم في حياته"، لما تركته من أثرٍ نفسيٍ عليه: "استقلّيت عربةًً بمفردي، استأجرتُها لنقل بعض الصناديق التي تحتوي على موادَّ غذائية، ومع وجود المطبات في الشوارع، خاصة على شارع الرشيد، سقط جزء من "الكراتين"، وكدت أقع لولا تمسكي بقطعة معدنية على طرف العربة، ويا لها من رحلةٍ مليئة بالخوف والوجع".
هذه المأساة ليست حادثًا منفردًا، بل هي نِتاج الظروف الصعبة التي خلقتها الحرب، مردفًا بقوله: "الحرب أفرزت أسوأ البدائل ومنها وسائل نقل غير آمنة، تسير على طرق متهالكة، ومعظمنا مضطرٌ لها كل يوم".
تطوير نظام الدفع
سألنا أنيس عرفات المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات، عن مظاهر أزمة النقل التي تتجلّى في غزة، باعتبارها من انعكاسات الحرب، وبدوره قال إن انعدام السلامة يُعد من أبرز مساوئ العربات البديلة، إضافةً إلى استخدام كثيرٍ من المركبات المتضررة إلى حدٍ كبير.
ويأسف عرفات لأن:"الإجراءات المتاحة حالياً محدودة في الظروف الصعبة التي نعيشها، ومن هذا، نسعى إلى إيجاد حلول عملية".
"الوزارة تعكف على دراسة مقترحات لتطوير "نظام دفعٍ مسبق للمواصلات"، عبر "بطاقات فئوية" تُوزّع بواسطة أكشاك في محافظة غزة، على أن تتوسع لاحقاً إلى المحافظات الأخرى".
ويكشف أن الوزارة تعكف على دراسة مقترحات لتطوير "نظام دفعٍ مسبق للمواصلات"، عبر "بطاقات فئوية" تُوزّع بواسطة أكشاك في محافظة غزة، على أن تتوسع لاحقاً إلى المحافظات الأخرى.
سعر البطاقات يراوح بين 3 و50 شيكلًا، مضيفاً: "حتى يتسنى للمواطن دفع ثمن الرحلة بيسر، سواء نقداً أو عبر تطبيقات الدفع الإلكترونية، في حال توفرها".
وعلى صعيد الإجراءات الرقابية، وحسب حديث عرفات، تواصل الوزارة عملها بإمكانيات محدودة لتعزيز الانضباط ومتابعة التجاوزات الميدانية، خصوصاً في المناطق الجنوبية ومدينة غزة.
"التعاون مع الشرطة يهدف إلى ضبط الحركة العامة، لكنه لا يغني عن الدور الكامل للوزارة في تنظيم قطاع النقل".
ويؤكد أن التعاون مع الشرطة يهدف إلى ضبط الحركة العامة، لكنه لا يغني عن الدور الكامل للوزارة في تنظيم قطاع النقل.
وثمة خطواتٌ مستقبلية ستُتخذ في هذا الجانب، تشمل تنظيم حملات توعية للمواطنين حول الاستخدام الآمن للمركبات، مع أخذ التعامل الأخلاقي في عين الاعتبار، والعمل على حماية خصوصية الركاب، يقول.
وتابع حديثه: "ندرس حالياً جميع المقترحات لمعرفة إيجابياتها وسلبياتها، بغرض تحسين مستوى الخدمة وضمان سلامة المواطنين".
























