شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 يناير 2026م06:15 بتوقيت القدس

سعيد عزام..

معلمٌ أقعَدته الحرب.. نجاةٌ ناقصة ودرسٌ مؤجَّل!

18 يناير 2026 - 09:30
المعلم الفلسطيني سعيد عزام
المعلم الفلسطيني سعيد عزام

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن سعيد عزّام يحزم حقيبة نجاة حين بدأت الحرب، بل كان يبحث عن مقبس كهرباء. في الثالثة والثلاثين من عمره، لم يفكّر في مكانٍ يلوذ به بقدر ما فكّر في كيفية إبقاء الدرس حيًّا، ولو عبر شاشة صغيرة، ولو لعدد محدود من الطلبة الذين ما زالوا قادرين على الاتصال بالإنترنت.

بالنسبة إليه، لم يكن التعليم رفاهية يمكن تأجيلها في زمن الحرب، بل فعلًا يوميًا لمقاومة الانقطاع. كان يؤمن أن ما يسعى الاحتلال إلى كسره لا يقتصر على البيوت والمدارس، بل يمتد إلى فكرة الحياة نفسها، إلى الإيقاع الطبيعي للأيام، وإلى العلاقة التي تربط المعلم بطلبته.

كان يدرك قسوة الظروف؛ إنترنت شحيح، كهرباء مقطوعة، وحرب لا تترك مساحة للتعلّم، ومع ذلك أصرّ. "انقطاع الدرس يعني انقطاع شيء أعمق، مرتبط بالإحساس بالاستمرارية" يقول.

سعيد، المعلّم من مخيم البريج، يعمل مُدرّسًا في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. قبل الحرب، كانت حياته بسيطة وواضحة: مدرسة، صف، طلبة، وسبورة يقف أمامها لساعات طويلة دون أن يشعر بثقل الوقت.

التعليم كان شغفه الأول والأخير، والمكان الوحيد الذي شعر فيه بأنه يؤدي دوره الحقيقي في هذا العالم. المدرسة، بالنسبة له، لم تكن مجرد مبنى، بل فكرة ومسؤولية، وشيئًا "مقدسًا" على حد وصفه.

حين توقفت المدارس، وأصبح الوصول إلى الصفوف مستحيلًا، حاول أن يخلق صفًا بديلًا. حمل حاسوبه وتوجّه إلى منزل أحد أصدقائه لشحنه، على أمل أن يتمكن من متابعة التعليم عن بُعد مع من استطاع من طلابه.

كان يدرك قسوة الظروف؛ إنترنت شحيح، كهرباء مقطوعة، وحرب لا تترك مساحة للتعلّم، ومع ذلك أصرّ. كان يشعر أن انقطاع الدرس يعني انقطاع شيء أعمق، مرتبط بالإحساس بالاستمرارية، وبأن الغد ما زال موجودًا.

بعد ثمانية أيام على القصف الذي استهدف منزل صديقه، استيقظ سعيد على حقيقة لم يكن مستعدًا لها. لم يستيقظ على صوت تنبيه أو رسالة من أحد طلابه، بل على جسدٍ لم يعد يعرفه. في لحظة واحدة، اكتشف أنه فقد ساقيه.

لم يدمّر القصف المبنى وحده، بل غيّر مسار حياته بالكامل. تحوّل من معلّم يقف طوال اليوم أمام طلابه، إلى شاب يحاول استيعاب معنى الفقد، ومعنى النجاة الناقصة.

يقول بصوت مثقل: "شعرتُ أنني فقدت جزءًا كبيرًا من حياتي. أنا أحب التدريس، المدرسة عندي شيء مقدّس، حلم حياتي كان أن أصبح مدرسًا، وأن أساهم في تعليم أطفال غزة".

"شعرتُ أنني فقدت جزءًا كبيرًا من حياتي. أنا أحب التدريس، المدرسة عندي شيء مقدّس، حلم حياتي كان أن أصبح مدرسًا، وأن أساهم في تعليمهم".

لم يكن الألم الجسدي وحده ما أثقله، بل ذلك الشعور العميق بالخسارة. أكثر ما كان يرهقه التفكير في الصف، في الطلاب الذين اعتاد أن يقف أمامهم، في اللحظة التي يدخل فيها الفصل فينهضون لتحيته.. فكرة أنه قد لا ينهض مجددًا من أجلهم كانت ثقيلة، تكاد تكون أثقل من الإصابة نفسها.

يصفه طلابه بأنه معلّم نشيط، شغوف بالتفاصيل الصغيرة في التعليم، يقف طويلًا، ويشرح بصبر، ويكرّر، مؤمنًا بأن المعرفة تُبنى بالتراكم والاهتمام.

لم يكن يرى في نفسه بطلًا، بل شخصًا يؤدي ما يحب. فجأةً، وجد نفسه مضطرًا لإعادة تعريف ذاته، لا كمعلم فقط، بل كشخص يعيش بإعاقة في مكان لا يهيّئ الحياة أصلًا لأحد.

يحاول سعيد اليوم التعايش مع ما حدث، أن يتقبّل جسده الجديد، وأن يتمسّك بما تبقّى من حلمه، غير أن الحرب لم تترك له مساحة كافية للمحاولة، فغزة، في واقعها الحالي، لا توفّر الحد الأدنى من مقومات العيش، فكيف بمن يحتاج إلى رعاية خاصة، أو أماكن مهيأة، أو شوارع صالحة للحركة؟.. لا منازل مستقرة، ولا مدارس قائمة، ولا بنية تحتية تسمح بإعادة البناء، لا للجسد ولا للروح.

كاريكاتـــــير