غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
داخل خيمة صغيرة لا تتجاوز مساحتها ستة عشر مترًا مربعًا، يعيش سعيد الفيري، النازح من بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، مع أربعة عشر فردًا من عائلته.
خيمة بالكاد تتسع للجلوس، تحولت إلى مأوى لعائلات متداخلة، بلا خصوصية، وبلا حد أدنى من مقومات الحياة الآدمية.
لم تكن رحلة النزوح بالنسبة للفيري خلاصًا من الخطر، بل انتقالًا من مأساة إلى أخرى أكثر قسوة. يخبرنا أن محاولته الخروج من بيت لاهيا عبر الحواجز الإسرائيلية انتهت باعتقاله، ليقضي عامًا كاملًا في الأسر.

ويصف تلك التجربة باعتبارها قطعة خالصة من العذاب، تعرّض خلالها للضرب المبرح، والإهانات المتواصلة، والتجويع، والتعذيب الجسدي والنفسي.
يستعيد تفاصيل عامٍ ثقيل قائلًا: "كانوا يُجبروننا على السجود لساعات طويلة، وجباهنا ملتصقة بالبلاط، وأي محاولة لرفع الرأس كانت تُقابل بالضرب والشتم والإهانة".
ترك الأسر آثاره العميقة على جسده وصحته، فخرج بكسور في الفك، وأضرار في الأسنان، وضعف شديد في البصر نتيجة الضرب المتكرر والتعذيب المستمر.
أُفرج عن سعيد الفيري ضمن صفقة التبادل الأخيرة في أكتوبر 2025م. عاد ليجد نفسه وعائلته في مواجهة فصول جديدة من الفقد والمعاناة.
لم يكن الأسر، كما يحكي، مجرد حرمان من الحرية، بل نزعًا كاملًا للكرامة؛ عامًا كاملًا لم يرَ فيه الشمس، وكان الطعام بالكاد يكفي للبقاء على قيد الحياة.
أُفرج عن سعيد الفيري ضمن صفقة التبادل الأخيرة في أكتوبر 2025م، لكنه لم يعد إلى حياة أقل قسوة. عاد ليجد نفسه وعائلته في مواجهة فصول جديدة من الفقد والمعاناة.
قبل ذلك، فقدَ طفله الصغير جمال، حين كانت الأسرة نازحة في خيمة داخل بلدة بيت لاهيا. يروي تفاصيل تلك الليلة بصوت مثقل: "استيقظنا على صرخة الطفل، وحين تحسسته والدته امتلأت يداها بالدم. لم نسمع صوت الرصاصة التي اخترقت صدره من إحدى المسيّرات الإسرائيلية، فقط صرخته التي أخبرتنا بذلك (..) لم يكد يصل إلى المستشفى حتى فارق الحياة".
لم تتوقف مأساة الفيري عند هذا الحد. ابنه الأكبر حسن، البالغ من العمر ثمانية عشر عامًا، فقد عينه بالكامل إثر إصابة مباشرة بشظية أثناء محاولته تعبئة المياه في مدرسة لجأت إليها العائلة بعد النزوح.
لم يكن أمامه سوى نقله على عربة يجرها حصان إلى المستشفى المعمداني، وهناك، بقي الأب مع ابنه شهرين كاملين، منقطعين تمامًا عن بقية أفراد الأسرة في ظل انقطاع الاتصالات.
وبعد تهديد الاحتلال باقتحام المستشفى، نُقل حسن إلى مستشفى الشفاء، وهناك، وبين أروقة المستشفى، عثر الفيري صدفة على بقية عائلته، التي كانت قد نزحت من شمال القطاع.
بحسب الأطباء، فإن حالة حسن تتطلب زراعة عين، وهي عملية غير متوفرة داخل قطاع غزة، ما يستدعي سفره العاجل للعلاج في الخارج.
ورغم إعداد التقارير الطبية اللازمة، ما تزال إجراءات خروجه متعثرة، فيما يزداد قلق الأب من ضياع فرصة العلاج مع مرور الوقت.
اليوم، يعيش الفيري مع زوجته، ووالدتها المقعدة، وأبنائه، إضافة إلى أبناء عمته الأربعة،الذين استشهدت والدتهم خلال الإبادة، وكان والدهم قد توفي في وقت سابق.
اليوم، يعيش الفيري مع زوجته، ووالدتها المقعدة، وأبنائه، إضافة إلى أبناء عمته الأربعة، وهم ثلاث فتيات وشاب، استشهدت والدتهم خلال الإبادة، وكان والدهم قد توفي في وقت سابق.
وتزداد تعقيدات الحياة داخل الخيمة مع وجود شابات في عمر الثامنة عشرة حتى العشرين عامًا، جميعهم يتشاركون المساحة الضيقة نفسها، ما جعل الحفاظ على الحد الأدنى من الخصوصية شبه مستحيل، واضطر الفيري إلى وضع فاصل من القماش داخل الخيمة.
لا تملك العائلة حمامًا، وتستبدله بدلو يُستخدم في محيط الخيمة، ضمن مساحة مغطاة ببعض القماش. يوضح الفيري أنهم لا يملكون مساحة ولا إمكانيات، ويعتمدون بشكل شبه كامل على طعام التكية وبعض المساعدات التي تقدمها مؤسسات إنسانية من حين لآخر.
إلى جانب ذلك، يتحمل الرجل مسؤولية رعاية شقيق زوجته المصاب بمتلازمة داون، الذي يحتاج إلى رعاية خاصة في ظل غياب أي جهات تعنى بهذه الفئة.
عبء نفسي ومادي إضافي يحاول الفيري تحمّله بصمت، مؤكدًا أنه يسعى لتأمين أبسط احتياجاته رغم العجز الكامل.
ووسط هذا الواقع القاسي، لا يرفع سعيد الفيري سقف مطالبه. يختصر كل ما يريده بكلمة واحدة: "الستر". خيمة إضافية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة والخصوصية، ومساعدة طبية عاجلة تتيح لابنه حسن فرصة استعادة بصره، لا أكثر.
























