شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 يناير 2026م06:15 بتوقيت القدس

غزة..

"مجلس السلام".. إدارة مؤقتة أم وصاية جديدة؟

18 يناير 2026 - 09:10

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أسماء أعضاء ما أطلق عليه اسم "مجلس السلام"، الذي يترأسه بنفسه، والمجلس التنفيذي المنبثق عنه برئاسة السياسي البرتغالي نيكولاي ميلادينوف، وبعد يوم واحد فقط من إعلان تشكيل اللجنة الإدارية لقطاع غزة برئاسة البروفيسور علي شعث، دخل الفلسطينيون مرحلة جديدة تتكثف فيها الأسئلة أكثر مما تتضح فيها الإجابات، حول ملامح المرحلة المقبلة وطبيعتها وحدودها.

يضم مجلس السلام الدولي شخصيات سياسية دولية بارزة، من بينها جاريد كوشنير صهر ترمب، وتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، فيما يضم المجلس التنفيذي أسماء عربية ودولية، أبرزها اللواء حسن رشاد رئيس جهاز المخابرات المصرية، وريم الهاشمي وزيرة الخارجية الإماراتية.

غير أن هذا الحضور الدولي المكثف، وما يرافقه من غياب فلسطيني عن المجلس الدولي، يفتح بابًا واسعًا من القلق الشعبي، خصوصًا في ظل غموض العلاقة بين مجلس السلام واللجنة الإدارية الوطنية، وحدود الصلاحيات بين الجانبين.

إيمان عامر (42 عامًا)، واحدة من آلاف النساء اللواتي اختبرن النزوح قبل أن يتمكنّ من العودة الجزئية إلى بيوتهن المدمّرة في مدينة غزة. تتوقف طويلًا عند توصيف ميلادينوف بـ"الممثل السامي"، وتقول: "هذا المصطلح وحده كفيل بإحياء ذاكرة قاتمة من تاريخ المنطقة، حين كانت الوصاية الدولية مدخلًا لفقدان السيادة والحق في تقرير المصير".

وأضافت عامر -وهي أم لخمسة أبناء: "القلق لا ينبع من الأسماء بقدر ما ينبع من المنهجية التي قد تُفرض تحت مسمى السلام"، متسائلة عن طبيعة القوانين التي قد تُسن، والمناهج التعليمية التي ستُفرض، وسقف الحريات المتاح في ظل وجود قوات أجنبية على الأرض.

تسأل عن أثر ذلك على النسيج الوطني، وحرية التنقل، وعن مصير إعادة الإعمار والإسكان، متحدثة بمرارة كيف أنهت بناتها الثانوية العامة هذا العام في وقت دُمّرت فيه الجامعات، لتبقى الأسئلة معلقة: "من سيقود التعليم؟ ومن سيضمن المستقبل؟ وهل انتهى شبح التهجير فعلًا أم تأجّل فقط؟".

مخاوف إيمان تتقاطع مع قلق رويدة العرعير (33 عامًا)، التي ما زالت تعيش مع أطفالها الأربعة في خيمة بعد تدمير منزلها في غزة. بالنسبة لها، تبدو فكرة أن يتولى "آخرون" القرار في القطاع مخيفة، لا سيما في ظل غياب صورة واضحة عن طبيعة عمل اللجنة الإدارية نفسها، وكيف ستتعامل مع مجلس يقوده ترمب ويملك اليد العليا في القرار.

تستعيد رويدة شهور النزوح الطويلة، حين لم تكن الخيمة قادرة على حماية أطفالها من أمراض الشتاء أو من الأمراض الجلدية، وحين فقد زوجها عمله واضطرت العائلة للاعتماد على مساعدات إنسانية شحيحة وغير منتظمة.

تقول: "لم أدقق في المسميات ولا في أسماء الأعضاء، فكل ما أريده هو الخروج من دائرة الخوف والجوع وضياع المستقبل، وإنقاذ ما تبقى من حياة عائلتي وسط هذا الظلام الكثيف".

في المقابل، ترى المحللة السياسية الدكتورة ريهام عودة أن "مجلس السلام" جاء كحل مؤقت لاحتواء تداعيات الحرب، ومحاولة إعادة قدر من الاستقرار إلى قطاع غزة، خصوصًا على الصعيد الإنساني.

وتوضح أن المجلس يشكل آلية إدارية انتقالية، هدفها تنسيق إدخال المساعدات العاجلة، وعلى رأسها المساكن المؤقتة، والإشراف على خطة إعادة الإعمار، التي لا يمكن أن تنطلق دون غطاء دولي وثقة من الدول المانحة بعدم وجود دور سياسي أو عسكري لحركة "حماس".

وتشير عودة إلى أن المجلس مُحدد بمدة زمنية تمتد لعامين، ريثما تنفذ السلطة الفلسطينية الإصلاحات التي اشترطتها واشنطن وعدد من الدول الغربية لتسلّم إدارة القطاع.

لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن نجاح هذا السيناريو مشروط بجملة عوامل معقدة، أبرزها نزع سلاح "حماس"، وتمكن السلطة من إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلًا عن استمرار تدفق أموال المانحين، في ظل عدم استعداد الإدارة الأمريكية لتحمّل أعباء مالية طويلة الأمد.

وتقدّر عودة أن العلاقة بين مجلس السلام واللجنة الإدارية ستكون ذات طابع إشرافي إداري أكثر منها سياسية، على غرار آليات إدارة المشاريع الإنسانية الدولية، حيث تتولى اللجنة التواصل المباشر مع السكان وتلبية احتياجاتهم اليومية، بدعم مالي ولوجستي من المجلس، الذي سيتكفل بدفع رواتب أعضائها وحشد التمويل اللازم.

وترجّح ألا يكون للمجلس دور تفاوضي سياسي مباشر، في مقابل دور تنسيقي للجنة مع السلطة الفلسطينية في ملفات حيوية كالصحة والتعليم والقضاء.

وترى عودة أن الطابع الدولي للمجلس يفسر غياب الشخصيات الفلسطينية عنه، لكنها تشير إلى أن وجود شخصيات عربية في المجلس التنفيذي، من دول أعلنت رفضها التهجير ودعمها للحق الفلسطيني، قد يشكل عامل ضغط إيجابي لدفع عملية إعادة الإعمار.

ورغم هذه التقديرات، تبقى الأسئلة الأساسية بلا إجابات حاسمة: هل يملك هذا المجلس القدرة الفعلية على إطلاق إعادة الإعمار؟ وهل سيتمكن من معالجة الملفات المنهكة، وعلى رأسها الصحة والتعليم؟ أم أن كل شيء سيظل رهينة مرحلة الستين يومًا التي بدأت في 16 يناير 2026م، والمشروطة بنزع سلاح حماس، والانسحاب من "الخط الأصفر" الذي يكرّس سيطرة الاحتلال على (60%) من مساحة القطاع، ويحاصر ما تبقى في شريط ساحلي ضيق، تتكدس فيه حياة معلّقة على وعود مؤجلة؟

كاريكاتـــــير