غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تود مريضة "الثلاسيميا" مها عيسى أن تكون صوتًا لكل عَليل، وهي تحكي عن صنوف المعاناة التي عاشتها منذ نعومة أظفارها، إلا أن الحرب الإسرائيلية على مدار عامين، وكما تؤكد، كانت هي الأقسى في رحلة مرضها.
"كنا نتلّقى العلاج في أقسام الاستقبال العامة، على أيدي أطباء وممرضين غير مختصين، ساعاتٌ طويلة نقضيها في الانتظار جلوساً على الأرض، حيث لا أسرَّة ولا مقاعد"، تقول مها.
انتهت الحرب، لكن معاناة مرضى "الثلاسيميا" مستمرة، بل وتأخذ أكثر من وجه. وكان من المأمول بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، أن تتحسن أوضاعهم، أو على الأقل أن يتوقف تدهور صحتهم، لكن ذلك لم يحدث، فما زالت الأدوية الخاصة بهم يُمنع دخولها إلى قطاع غزة، ناهيك عن منعهم من السفر لتلقي العلاج.
(48 مريضًا) فارقوا الحياة. استشهد 12 بقصف الاحتلال، فيما تُوفي 36 جراء انعدام الدواء والفيتامينات والطعام الصحي بعد وقوع المجاعة.
وقد فقدت غزة من "مرضى الثلاسيميا" في أثناء الحرب ما يمكن أن تفقده في عشر سنوات، حسبما ذكرت جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا في غزة، ففي السابق لم يكن يزيد عدد الوفيات على خمس مرضى كل عام.
يقول إبراهيم عبد الله منسق الجمعية، إن (48 مريضًا) فارقوا الحياة من إجمالي مرضى الثلاسيميا في القطاع وعددهم (243)، حيث اُستشهد 12 بقصف الاحتلال، فيما تُوفي 36 جراء انعدام الدواء والفيتامينات والطعام الصحي بعد وقوع المجاعة.
وتكمن المأساة في أن حرمانهم من الأدوية قد يُؤدي إلى مضاعفاتٍ خطِرة، من شأنها أن تهدد حياتهم، فيما لا تتوفر أقسامٌ خاصة للتعامل معهم، بسبب انهيار المنظومة الصحية.
"روتين علاج" لا فِكاك منه
تضع الشابة مها عيسى (٢٨ عاما) في حديثها لـ "نوى" تعريفاً مختصراً لكل من أصابه هذا المرض: "جسدٌ منهك من الألم، يتردد صاحبه على المستشفيات، على الدوام، لمتابعة الإرشادات الطبية. ويتناول الأدوية بـ"التزام حديدي"، تجنباً لأي مضاعفات".
و"الثلاسيميا" هو مرضٌ وراثي في الدم يُولد به الإنسان ويستمر معه طوال حياته، يسبب فقر دمٍ مزمن.
قبل الحرب كان هؤلاء المرضى يستلمون الدواء من صيدليات وزارة الصحة مجاناً، كونه لا يتوفر في الصيدليات الخاصة، تقول مها، مطالبة بإدخاله في أقرب وقت، لضرورته القصوى في حياة كثيرين مثلها.

ويتمثل الروتين الذي لا فِكاك منه عند مصاب "الثلاسيميا"، في تناول دواءٍ يطرد الحديد يومياً، ومنها (كالديسفيرال أو الديفيروكس)، وكذلك تزويد الجسم بوحدة دمٍ كل أسبوعين، وما يرافق ذلك من فحوصات دورية للأعضاء الحيوية مثل القلب والكبد والطحال.
"ماذا قد يحدث عندما لا تتوفر هذه الأدوية؟".. تجيب مها بابتسامة باهتة: "يتراكم الحديد في الجسم، وخصوصاً في القلب والكبد والغدد، وقد يقود ذلك إلى مضاعفاتٍ لا يُحمد عقباها، منها فشل القلب، ومشاكل في الكبد، واضطرابات هرمونية، مما يهدد حياة المريض".
"تعبنا كثيراً، جسدياً ونفسياً، معظمنا تدهورت صحته بسبب انقطاع الأدوية من جهة، ومن جهة ثانية، كنا نضطر إلى تأمين بديلٍ لوحدة الدم التي نحتاجها بأنفسنا".
كان لمرضى "الثلاسيميا" نصيبهم من التهميش، بعد اندلاع الحرب، بسبب الضغط غير المسبوق الذي شهدته مستشفيات القطاع من الأعداد المَهولة للمصابين.
وفي السياق ذاته، تحكي عن مرحلةٍ عصيبة امتدت عامين، بقولها: "تعبنا كثيراً، جسدياً ونفسياً، معظمنا تدهورت صحته بسبب انقطاع الأدوية من جهة، ومن جهة ثانية، كنا نضطر إلى تأمين بديلٍ لوحدة الدم التي نحتاجها بأنفسنا".
ومما زاد من حدة إرهاقهم في تلك الفترة، إصابتهم بهشاشة العظام والنقص الحاد في الفيتامينات، خاصة الكالسيوم، الذي لم يكن متوفرا إطلاقاً وقت الحرب، تبعاً لحديثها.
انقطاع تام لعلاج خفض الحديد
وبالعودة إلى إبراهيم عبد الله منسق جمعية أصدقاء "مرضى الثلاسيميا"، إذ يخبرنا عن معاناتهم: "بعد استهداف الاحتلال المستشفيات، أصبح ليس من المعقول أن يتوجه المريض للحصول على وحدة الدم المطلوبة، خاصة في مجمع الشفاء و"الأندونيسي" لخطورة الأوضاع الأمنية فيهما".
بعد تدمير "إسرائيل" المستشفى التركي، الذي كان مرضى الثلاسيميا يفدون إليه، تحديداً لقسم مُخصص لأورام الدم، فإن منسق الجمعية يلفت انتباه المسؤولين إلى أنه "حالياً، ما من مكانٍ مُخَصص لتلّقي العلاج ولا طاقمٍ طبي متخصص يتعامل مع الوضع الصحي لهذه الفئة من المرضى بالشكل المناسب، مما يفاقم معاناتهم يوماً بعد يوم".

أما حياتهم في الخيام، فهي عذابٌ من نوعٍ آخر، موضحاً: "من يتمتع بوافر الصحة أصابه المرض بعد العيش في الخيمة، فما بالكِ بمريضٍ مناعته ضعيفة في الأساس، هذا المريض حين كان في بيته قبل الحرب لم تكن ظروفه الصحية في أفضل حال، فكيف به بعد هذه الكارثة".. يتساءل بقهر، مؤكداً أن من أهم المضاعفات الملحوظة تضخم الكبد والطحال وهشاشة العظام.
وأصعب ما في المشهد كله، الانقطاع التام لعلاجات خفض الحديد التي ينبغي تناولها يومياً، كما يفيد. مُصرّحاً: "اضطررنا في بداية الحرب لتناول جرعات منتهية الصلاحية منذ عامين، كانت في مخازن وزارة الصحة".
مردفاً بقوله:" لا نستطيع البتّة توفيرها على نفقتنا الشخصية، فتكلفتها باهظة الثمن، تصل إلى عشرين ألف دولار لكل مريض سنوياً، وعلاوة على هذا، لا تُباع في الصيدليات كونها لا تُستعمل لأمراض أخرى".
ويحذّر عبد الله بشدة -إذا ما استمر انقطاع الدواء- من خسارة مزيدٍ من المرضى، إذ قد تتطور المضاعفات إلى فشلٍ في القلب، يؤدي إلى الوفاة".
ما يثير قلق عبد الله أن "فلاتر نقل الدم" باتت مفقودة، حيث توقّف قليلاً عند وفاة المريضة صابرين أبو عودة التي حدثت لها مضاعفات خطرِة، عقب نقل وحدة دمٍ لها قبل شهر.
ومما يثير قلق عبد الله أن "فلاتر نقل الدم" باتت مفقودة، ويقصد بها تلك التي تمنع حدوث حساسية عند نقل الدم إلى مرضى "الثلاسيميا"، حيث توقّف قليلاً عند وفاة المريضة صابرين أبو عودة التي حدثت لها مضاعفات خطرِة، عُقب نقل وحدة دمٍ لها قبل شهر.
ويأمل في ختام حديثه، أن تشهد المرحلة القادمة انفراجة في فتح المعابر، لتشمل مرضى الثلاسيميا، ممن لديهم تحويلات علاج إلى الخارج، "فالطب الحديث وجدَ علاجاً للمرض بواسطة "زراعة نخاع العظم"، وهي عملية قد تمنح حياةً جديدة خاصةً للأطفال المرضى".
























