غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
من أمام خيمةٍ صغيرة نُصبت على عجل في مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، كانت جِنان أبو عمرة ذات الأعوام السبعة، تغنّي بأعلى صوتها.
ضحكتها المرتفعة كانت تتجاوز ضجيج الخيام المتلاصقة، وركضها السريع بدا محاولة يائسة لاستعادة ما سُرق من طفولتها طويلًا.
من دون أي إنذار، اخترق المكان وابلٌ كثيف من القذائف والرصاص. صوتٌ واحد انقلب إلى فوضى، أطلقته آليات الاحتلال بشكلٍ عشوائيٍّ وجنوني.
بعينين زرقاوين لامعتين، وفستانٍ زهريٍّ اتّسخ طرفه برمال النزوح، وحلمٍ صغير اسمه الفرح، بدت جنان الأكثر بهجة بين أقرانها. كانت تحتفل مع أطفال الخيمة بوقف إطلاق النار، الذي ظنّوه أخيرًا نافذة نجاة لطفولةٍ أنهكتها الحرب، وموعدًا مؤجلًا مع حياةٍ طبيعية طال انتظارها.
في تلك اللحظات القصيرة، غاب صوت الطائرات، فظنت جنان أن اللعب عاد آمنًا، وأن الخوف، مثلهم، يمكن أن يتعب ويرحل.
كانت تغنّي وتصفّق، تقلّد أغانٍ سمعتها قبل الحرب، وتضحك كلما تعثّرت بقطعة قماش أو حجرٍ صغير، غير مدركة أن الفرح في غزة نادرًا ما يُسمح له بإكمال الطريق.
بعد لحظاتٍ فقط، ومن دون أي إنذار، اخترق المكان وابلٌ كثيف من القذائف والرصاص. صوتٌ واحد انقلب إلى فوضى، أطلقته آليات الاحتلال بشكلٍ عشوائيٍّ وجنوني.
سقط الجميع أرضًا، تراكضت الأجساد، ومزّق صراخ الأطفال الهواء. وفي زاويةٍ قريبة من الخيمة، اخترقت رصاصة جسدًا صغيرًا لم يعرف يومًا معنى الخوف.
خرجت أم جنان تركض، تنادي باسم ابنتها بصوتٍ مرتجف، تبحث بعينيها بين الغبار والدخان، لكن ما رأته جعلها تتمنى لو أن الأرض ابتلعتها قبل تلك اللحظة: كانت جنان منبطحة على بطنها، ساكنة على غير عادتها، والدماء تنزف من جسدها الغضّ، الذي لم يُخلق إلا للعب والغناء.
حملها الجيران على الأكتاف، وركضوا بها نحو أقرب نقطة إسعاف، فيما كانت الأم تهمس باسمها وتشدّ على يدها الصغيرة، تخشى أن تفلت منها الحياة.
في المستشفى، جاءت الصدمة أقسى من القدرة على الاحتمال. الرصاصة اخترقت النخاع الشوكي وخرجت منه، تاركةً شللًا دائمًا.. تجمّع دموي أصاب القلب والرئتين، وجسدٌ صغير لم يعد قادرًا على الحركة.
في الثالث عشر من كانون الأول/ ديسمبر، توقّف الزمن عند جنان؛ لم تعد تمشي، لم تعد تقف، ولم تعد قادرة حتى على إسناد ظهرها. تحوّلت من طفلةٍ مرحة، كانت تملأ المكان ضجيجًا وحركة، إلى طفلةٍ صامتة، تنظر حولها بعينين واسعتين تخفيان أسئلة أكبر من عمرها، واختفت أحلامها دفعةً واحدة.
"كانت جنان طفلة شقية، كثيرة الحركة، كنا نقول لها دائمًا اهدئي.. اليوم أشتاق حتى لإزعاجها".
تقول والدتها، بصوتٍ مكسور ودموعٍ لا تتوقف: "كانت جنان طفلة شقية، كثيرة الحركة، كنا نقول لها دائمًا اهدئي.. اليوم أشتاق حتى لإزعاجها".
لم تكن حالتها النفسية أقل قسوة من إصابتها الجسدية، فنسبة تعافيها لم تتجاوز واحدًا في المئة، وأصبحت متعلّقة بوالدتها تعلّقًا كاملًا؛ ترفض الناس، تبتعد عن أصدقائها، وتفزع من أي صوتٍ مرتفع. صدمةٌ ثقيلة لا تشبه عمرها، ولا تحتملها روحٌ صغيرة بالكاد تعلّمت معنى الحياة.
تنقّلت العائلة طويلًا بين أزقّة المستشفيات ومراكز العلاج، لكن العلاج كان ناقصًا، والدعم الطبي شبه معدوم، في ظل غياب الأجهزة والإمكانيات داخل قطاع غزة.. جلسات العلاج الطبيعي متقطّعة، والأدوية شحيحة، وكل تأخير يسرق جزءًا جديدًا من فرصة الشفاء.
"أتمنى فقط أن تخرج ابنتي للعلاج خارج غزة، أن تمشي، أن تلعب، أن تعود جنان كما كانت".
قبل الحرب، كانت للعائلة حياةٌ أبسط لكنها مستقرة: سوبرماركت صغير كان مصدر رزقهم الوحيد، بنوه حجرًا حجرًا، وحلموا أن يكبر معهم، واليوم، لم يتبقَّ منه سوى الذكريات. دُمّر بالكامل، وأصبحت الأسرة تعتمد على طعام التكايا، والصدقات، والمساعدات الإنسانية، فيما تتضاعف الأعباء مع طفلة تحتاج إلى رعايةٍ خاصة على مدار الساعة.
تختتم الأم حديثها بنبرةٍ تجمع بين الرجاء والانكسار: "أتمنى فقط أن تخرج ابنتي للعلاج خارج غزة، أن تمشي، أن تلعب، أن تعود جنان كما كانت".
بين خيمةٍ ممزقة، وطفلةٍ مشلولة، وأمٍّ لا تزال تنتظر المعجزة، تختصر قصة جنان حكاية طفولةٍ أُصيبت برصاصة، وما زالت تنزف حتى اليوم، في مكانٍ لا يزال فيه الفرح مؤقتًا، والنجاة حلمًا معلّقًا.
























