غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
فقدان الأوراق الثبوتية في قطاع غزة، لا سيما الهوية ذات الغلاف الأخضر، ليس مجردَ تفصيلٍ إداري عابر. فأبسط الحقوق الإنسانية تضيع أمام عائقٍ قاسٍ كهذا، ما يعني تقويضَ أحلام كثيرٍ من المواطنين، خاصةً الباحثين عن فرص عملٍ أو مستقبل تعليمي أفضل، جرّاء حربٍ دمرّت المنازل، وابتلعت الوثائقَ الرسمية تحت الأنقاض.
فقدت إيمان سعد، البالغة من العمر (35 عاماً)، هويتها الشخصية في نيسان 2025، في إثرِ تصعيدٍ عسكري عنيف.
عن تلك الليلة المرعبة في حي الشجاعية شرقي غزة، حيث كانت تقطن، تقول إيمان: "أطلقت طائرات الاحتلال أحزمةً نارية مكثفة في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، بينما أخذت دبابات الاحتلال تقترب من الحي، ما اضطرّنا إلى إخلاء المنزل فورًا، حفاظاً على حياتنا".
في صباح اليوم التالي، حاولت العودة إلى منزلها لعلّها تأخذ أوراقها الثبوتية على الأقل، إلا أن جيشَ الاحتلال كان أعلنَ الحيَّ "منطقةً عازلة"، "وبعد يومين وصل خبرُ هدم البيت كاملاً".
اشتدَّ القصف، ولم يكن بمقدور أحدٍ تشغيل أي مصدر إضاءة، بما في ذلك الهاتف المحمول. خرجت إيمان مع عائلتها بملابسهم التي يرتدونها، دون أن يتمكنوا من أخذِ أيّ من مقتنياتهم الشخصية، وأهمها بطاقات الهوية.
في صباح اليوم التالي، حاولت العودة إلى منزلها، لعلّها تأخذ أوراقها الثبوتية على الأقل، إلا أن جيشَ الاحتلال كان قد أعلنَ الحيَّ "منطقةً عازلة" يُمنع الاقتراب منها، "وبعد يومين وصل خبرُ هدم البيت كاملاً"، تقولها بأسى.
لم تجد بُدّاً من استخراج وثيقة تُعرف بـ "بدل فاقد الهوية"، وهي وثيقةٌ رسمية صادرة عن وزارة الداخلية في قطاع غزة ومعتمَدة لإثبات الشخصية. وليتها كانت كافيةً لحل المشكلة.
خسرت الوظيفة
لاحقاً، تقدمت إيمان بطلب وظيفةٍ لدى إحدى الشركات، وخضعت لمقابلة شخصية، وقُبلت. كان عليها أن تتجاوز الشرطُ الأخير ويتعلق باستكمال إجراءات التوظيف، بامتلاكَها حسابًا بنكيًا أو محفظةً إلكترونية تحمل اسمها الشخصي.
توجهت إلى بنك فلسطين لفتح حسابٍ بنكي، وقد رفضَ طلبها، بحجة أن البنك لا يعترف بوثيقة "بدل فاقد الهوية"، ولا يقبل إلا بـ "الهوية الخضراء". حاولت أن تشرح الظروف القاهرة التي مرت بها، وكان رد الموظف كما يلي: "هذا الأمر ليس من صلاحياتنا، والقرار صادرٌ عن سلطة النقد".
"الشركة بيَّنت أن سياساتها الداخلية صارمة في هذا الشرط، وبناءً عليه تعذَّر استكمال إجراءات التوظيف. ويا للأسف، لقد ذهب جهدها سُدًى في فرصة عملٍ أوشكت أن تكون من نصيبها".
ولم تكن محاولتها أفضل حالًا، عندما أرادت فتحَ محفظةٍ إلكترونية عبر أحد وكلاء PalPay، إذ رُفض طلبها مجدداً للسبب ذاته.
"ماذا فعلتِ يا إيمان؟"سألناها بتعاطف، فأجابت: "عدتُ أدراجي إلى الشركة التي أعلنت الوظيفة، وأخبرت إدارتها عما حدث، لكن الشركة بيَّنت أن سياساتها الداخلية صارمة في هذا الشرط، وبناءً عليه تعذَّر استكمال إجراءات التوظيف". ويا للأسف، لقد ذهب جهدها سُدًى في فرصة عملٍ أوشكت أن تكون من نصيبها، لأسبابٍ خارجةٍ عن إرادتها.
التجاهل فيه ظلمٌ جماعي
معاناة الطالب مؤمن صيام ( 19 ربيعاً)، خرّيج "التوجيهي" هذا العام، ليست بعيدةً عن القصة السابقة. فقدَ مؤمن هويته الشخصية أيضاً في العدوان الذي دمرَّ منزله كاملاً، بعد أن أصبحَ ضمن المنطقة المصنّفة "صفراء"، ما جعل الوصول إليه مستحيلاً.
تمكَّنَ مؤمن من التقدم لامتحانات الثانوية العامة الأزهرية، وكان من المتفوقين، بحصوله على معدل 90.15 في المئة. إلا أن فقدانه الهوية شكّل عائقاً كبيراً أمام استكمال أبسط الإجراءات القانونية والإدارية، كاستخراج جواز سفرٍ أو فتح محفظة بنكية، حيث تشترط أغلب المؤسسات "بطاقة الهوية" الصادرة عن إدارة الأحوال المدنية.
ومعظم الجهات الرسمية والمالية لا تعترف بـ"بطاقة التعريف المؤقتة" التي أُصدرت له، ما أدى إلى تعطيل مصالحه وحرمانه من حقوقه القانونية، مع أنه لا يختلف اثنان على الوضع الإنساني المعقد الذي يعيشه أهل غزة.
اليوم، يقف الشاب أمام خيارين أحلاهما مر: إما المخاطرة بالذهاب إلى مناطق مدمرة، وتحت تهديد الاحتلال، لمحاولة استعادة هويته، أو الانتظار إلى حين أن تجد المؤسسات حلولاً واقعية ومرنة؛ تراعي الظروف الاستثنائية التي يمر بها سكان القطاع.
قضية مؤمن، كما يؤكد، ليست حالةً فردية، بل تُمثّل شريحةً واسعة من الطلاب والخريجين، ممن توقفت مساراتهم التعليمية والمهنية بسبب ضياع أوراقهم الثبوتية جراء الحرب، بينما تتقاعس الجهات المعنية عن اقتراح حلولٍ بديلة؛ تضع في عين الاعتبار الوضع الاستثنائي.
وتبدو المشكلة أكبر عندما نتحدث عن استخراج جوازات السفر، حيث يُشترط تقديم الهوية، ولا تُعتمد رسمياً بطاقة التعريف المؤقتة حتى الآن، رغم وجود محاولات محدودة للاعتراف بها عند إرفاقها بمستنداتٍ إضافية.
وبالعودة إلى مؤمن، فإنه يطالب الجهات المختصة بتحمّل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، موصياً بفكرة: "ماذا لو سُمحَ بإصدار الهوية بواسطة نقابة المحامين أو بموجب توكيلٍ رسمي معتمد، كما هو معمولٌ به في بعض حالات إصدار جوازات السفر، بما يضمن تيسير شؤون الطلاب والمواطنين في غزة".
"استمرار تجاهل هذه القضية ظلم جماعي، لما فيه من تهديدٍ لمستقبل جيلٍ كامل من الطلاب غير القادرين على التقدم للمِنح الدراسية أو استكمال تعليمهم".
ويرى استمرار تجاهل هذه القضية "ظلماً جماعياً"، حسب تعبيره. لما فيه من تهديدٍ لمستقبل جيلٍ كامل من الطلاب غير القادرين على التقدم للمِنح الدراسية أو استكمال تعليمهم، ما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة ومُنصفة لمعالجة هذا الملف المُلّح، وفقاً لقوله.
وفي السياق ذاته، حاولت "نوى" التواصل مع سلطة النقد الفلسطينية، لمعرفة موقفها من المشكلة آنفة الذِكر، إلا أننا لم نتلقَّ ردًا شافياً، مع تحويلنا إلى عدة جهات، دون الحصول على جوابٍ واضح حول مسألةٍ باتت تؤرّق الآلاف في غزة.
























