غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
ما إن وضعت الحرب أوزارها وأُعلن عن المنطقة آمنة، حتى عاد الأربعيني أبو صلاح كلاب إلى ركام منزله في منطقة السطر الغربي شمال خانيونس. وقف أمام ما تبقى منه وهو يردد: "لم يكن هناك الكثير من الوقت لأمارس ترف الحزن على منزلي، وتعب سنوات عمري التي ذهبت أدراج الرياح".
بدا الحي بأكمله، بل المدينة بأسرها، وكأن زلزالًا عنيفًا ضربها دفعة واحدة. ومنذ اللحظة الأولى، وبعد أن امتص الصدمة الأولى، بدأ بإخراج ما يمكن إنقاذه من الحجارة الصالحة للاستخدام من بين الركام، ثم شرع بتشييد غرفة باستخدام الطين، بديلًا عن الإسمنت المفقود من أسواق غزة منذ شهور طويلة، وإن وُجد فهو بأسعار خيالية.

اختار كلاب البناء بالطين مستندًا إلى معرفته القديمة بأن الطين يمكن أن يقوم مقام الإسمنت، كما كان يسمع من والده وأقربائه عن البيوت الطينية التي كانت تُبنى كاملة بهذا الأسلوب، وكانت تمثل خير بديل للحجر والإسمنت في زمن آخر. وبينما يواصل العمل في تشييد الجدار يقول لـ"نوى": "أريد أن أسكن بالقرب من ركام منزلي الذي شيدته بعد سنوات من العمل والتعب وشدّ الأحزمة. سئمنا حياة الخيمة ومتاعبها، وما بقي لنا إلا الطين ليسترنا في هذه الإبادة التي أتت على كل شيء في غزة".
انعدام مواد البناء في القطاع دفع الكثير من المواطنين للبحث عن حلول آنية ومؤقتة تعيد لهم شيئًا من إحساس المنزل؛ خصوصية تمنح القليل من الراحة بعد عامين من حياة الخيام التي لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، وتفتقر إلى الخصوصية والأمان.
"تمكنّا من بناء غرفتين وملحقاتهما من بقايا منزلنا المدمر، ونعمل حاليًا على استخراج ما أمكننا من البلاط لتبليطه بذات الطريقة باستخدام الطين".
يقول السبعيني أبو أسامة انشاصي: "كنت قد شيدت منزلًا لي ولابني الأسير المحرر قبل السابع من أكتوبر. بالكاد عشنا فيه بضعة أشهر، ثم عدت لأجده أثرًا بعد عين. ليس غريبًا علينا الأمر؛ نحن شعب خبرنا همجية المحتل، يهدم ونعود نحن فنُعيد البناء".
ويشير إلى أن قرار إعادة بناء غرف من بقايا حجارة المنزل المدمر جاء طبيعيًا؛ رغم صعوبة الأيام وساعات العمل الطويلة في استخراج الحجارة وتنظيفها لتصبح صالحة للاستخدام، ثم إحضار الطين المناسب للبناء، فليس كل أنواع الطين تصلح؛ بعضها يزداد صلابة بمرور الأيام، وبعضها أقرب للتربة الرملية ولا يصلح.
ويتابع بفخر: "تمكنّا من بناء غرفتين وملحقاتهما من بقايا منزلنا المدمر، ونعمل حاليًا على استخراج ما أمكننا من البلاط لتبليطه بذات الطريقة باستخدام الطين".
ثم يضيف: "أريد أن أعود إلى شعور المنزل ما قبل الإبادة؛ حيث الجدران والأرضية المستوية المغطاة بالبلاط. رغم محاولاتهم تجريدنا من إنسانيتنا وحقوقنا كبشر، لن نستسلم وسنواصل من أجل أن نعيش بكرامة".
انتشرت الفكرة سريعًا ولاقت استحسانًا واسعًا بين النازحين الذين يتوقون للعودة إلى أماكن سكناهم التي نزحوا منها قسرًا. أعادت لهم بصيص أمل بحياة كريمة بعيدًا عن قسوة الخيام، فالبناء بالطين كان يستخدمه الأجداد قبل انتشار البناء الحديث، وهو ما شجع المواطنة فاتن الشاعر على خوض التجربة. فقد بنت غرفة من بقايا حجارة منزلها الذي دُمّر خلال الإبادة، محاولة استباق فصل الشتاء الذي تُغرق فيه الأمطار الخيام وتتجمد فيه أجساد الأطفال والكبار فيما يُفترض أنه مأوى.
لم تجد الشاعر وسيلة أخرى تضمن لأطفالها شتاءً آمنًا نسبيًا، فبنت جدران غرفتها بيديها، تغرف الطين الممزوج بالماء وتوزّعه على أطراف الحجارة المصطفة بعناية. وتقول: "كلما انتهيت من بناء طوف من الحجارة، يتسلل إلي شعور بانتصار صغير على ظروف غير إنسانية عانيت منها مع أطفالي؛ من قسوة البرد والحر على حد سواء خلال الإبادة التي سرقت كل شيء في حياتنا وأبقت علينا قلوبًا تنبض".
























