غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في ظلّ الركام الذي تخلفه الحرب والمذابح، تبرز أصوات تنطق بالوجع والأمل معًا. برنامج "حبر على الركام" الإذاعي يفتح نافذة نادرة على قصص إنسانية وثقافية، حيث يصوغ الألم بكلمات تُشعل الفكر وتُلامس القلوب.
من خلال حوارات عميقة مع شعراء، وكتاب، وأمهات فقدن أحبتهن في زخم الحرب الإسرائيلية المستعرة في عامها الثاني على التوالي بغزة، تعيد الإعلامية الدكتورة رابعة الدريملي عبر هذا البرنامج الحياة إلى الحكايات المهملة، وتعلي دور الكلمة كأداة مقاومة وصمود، وتقول لـ "نوى": "الحبر هنا ليس مجرد حبر على ورق، بل دموع وأحلام وذاكرة لا تموت".
"حبر على الركام" ليس مجرد برنامج إذاعي، بل منصة تعبيرية تروي وجعًا وأملًا، وترسم صورًا حقيقية لحياة تحت وطأة الحرب والحصار، بعيدًا عن الأخبار المكررة والسطحية، بحسب الدريملي وهي صاحبة الفكرة والإعداد والتقديم، وعنه تقول أيضًا إنه "نصوص مكتوبة بعناية تخلق تجربة استماع مختلفة تجعل المستمع يعيش مع الضيوف تفاصيل معاناتهم ونضالهم".
وتريد الدريملي أن تؤكد من خلال هذا البرنامج أن الكلمة هي السلاح الأقوى في مواجهة الظلم، وأن الإنسان يظل يزرع الأمل حتى في أكثر الظروف قسوةً، ومن أجل ذلك فإنه "يختص بنقل أصوات المبدعين، والأدباء، والشعراء، والمثقفين الذين يعيشون الحرب، ويقدم من خلال حواراته ونصوصه نافذة فريدة على تجاربهم الإنسانية والثقافية".
ولـ"حبر على الركام" أهداف تحددها الدريملي بتوثيق تجربة الإنسان في زمن الحرب والنكبات، من خلال سرد القصص الشخصية والإنسانية، وتقديم مساحة للمبدعين الفلسطينيين وغيرهم للتعبير عن ألمهم وأملهم، وتعزيز الوعي الثقافي والإنساني حول تداعيات الحروب على الفرد والمجتمع، وإحياء الذاكرة الجمعية من خلال سرد القصص التي تحمل عبرًا وتاريخًا.
"يركز البرنامج على حوارات معمقة مع ضيوف من شعراء، وكتاب، ومبدعين، وأمهات فقدن أبناءهن، يعرضون من خلالها تجاربهم المؤثرة، وإبداعاتهم، ورؤاهم".
وعن محتوى البرنامج، الذي يذاع كل يوم أربعاء أسبوعيًا لمدة نحو 25 دقيقة عبر أثير إذاعة "صوت فلسطين"، تقول الدريملي "إنه يتضمن حلقات إذاعية، تركز على حوارات معمقة مع ضيوف من شعراء، وكتاب، ومبدعين، وأمهات فقدن أبناءهن، يعرضون من خلالها تجاربهم المؤثرة، وإبداعاتهم، ورؤاهم حول الواقع الصعب الذي يحيط بهم. تتنوع الحلقات بين نصوص سردية ومقابلات مباشرة، ترافقها موسيقى خلفية دقيقة تزيد من عمق التأثير".
الدريملي حاصلة على درجة الدكتوراه في الإعلام، تخصص إذاعة وتلفزيون، وتبرز قيمة برنامجها من كونها تعيش وأسرتها تفاصيل المعاناة اليومية الناجمة عن تداعيات الحرب والحصار والجوع، علاوة على التحديات التي تواجهها من أجل إعداد وتقديم البرنامج في ظل عدم توفر الكهرباء وتدني خدمات الاتصالات والإنترنت، والنقص الحاد بالإمكانيات والمعدات.
"نعمل في أقسى الظروف وبأقل الإمكانيات"، وبمزيد من التفاصيل تتحدث الدريملي: "أعمل من خلال هاتفي المحمول المكسور. كل شيء من خلال هذا الهاتف، كتابة وتحرير وصياغة وتسجيل.. تخيلي صعوبة العمل على هاتف محمول صغير يتعب ويجهد عيوني التي أجريت لها قبل الحرب عملية ليزر لحماية القرنية".
هذا الهاتف هو كل ما تمتكله الدريملي لإعداد برنامجها والخروج به عبر الأثير، حيث لا يتوفر لها استوديو، أو حتى حاسوب ومايكروفون، وتقول: "أضع بطانية على نفسي وأدفن نفسي تحتها رغم الحر الشديد واسترق وقت هدوء، من دون أزيز الطائرات وأصوات القصف والانفجارات والصواريخ، وحتى نبح الكلاب، ثم أبدأ بالتسجيل".
ومن أجل استراق مثل هذه اللحظة من الهدوء يتوجب على الدريملي أن تبقى متأهبة يقظة على مدار الساعة، لتنتج إبداعًا من رحم المعاناة والألم، وتقول "كثيرًا ما أضطر للسير مسافات طويلة من أجل لقاء ضيف، في ظل أزمة مواصلات حادة".
"أعد الطعام النادر بيد، وأُعد برامجي بيد أخرى، أُهدئ بكاء صغيري، ثم أُفتح الميكروفون لأقرأ عن بكاء العائلات الأخرى، وأعاني مثلما يعاني الجميع هنا".
وتتحدث الدريملي بوجع عن ظروف الحياة الصعبة التي تحياها كأم وإعلامية، فتضيف: "أُذيع صوتي من تحت الركام، وأُخرس ألمي لأمنح المستمعين بعض الحقيقة. قبل أن أكون إعلامية، أنا مواطنة تحمل أطفالها بين النزوح والجوع، تنام على البلاط في مدرسة مزدحمة، وتُخبئ خوفها تحت وسادة مفقودة".
وتزيد: "أعد الطعام النادر بيد، وأُعد برامجي بيد أخرى، أُهدئ بكاء صغيري، ثم أُفتح الميكروفون لأقرأ عن بكاء العائلات الأخرى، وأعاني مثلما يعاني الجميع هنا، وقد فقدت مع الهدوء والسكينة وراحة البال، البيت والأرض والسيارة، ومنذ شهرين لا يوجد لدي طحين، ولم أتذوق وأسرتي رغيف خبز (..) قبل أيام قليلة وصلني رغيفان من سيدة جوعى مثلي فكانت لي نور من حياة، وروح من أمل".
ومن وسط هذه الحالة السوداوية، تصر الدريملي على الكلام بـ "حبر على الركام"، ومع كل قصة عن بيت مدمر، كانت تقرع جدران بيتها، ومع كل فقرة عن أم تبكي أبناءها، كانت تسمع بين سطورها نحيب أمها، وفي خلفية كل تسجيل، كان هناك قصف يقترب، وخوف يتسلل، وصوتها يحاول أن يبقى ثابتًا رغم ارتجاف الأرض تحته.
"أتكلم لا لأنني أمتلك كل الإجابات، بل لأنني كنت أعيش الأسئلة بصوت عال. لم أكن على الحياد".
وفي مقال للدريملي تلخص كل هذه المشاعر، وتقول: "أتكلم لا لأنني أمتلك كل الإجابات، بل لأنني كنت أعيش الأسئلة بصوت عال. لم أكن على الحياد"، وتتساءل: "كيف أكون، وأنا أُبثّ من قلب الحرب؟ من خيمةٍ لا تقي، ومن طابور لا ينتهي، ومن رائحة الموت التي كانت تسبقني إلى المايكروفون؟".
وتتشارك الدريملي مع زوجها المهندس مازن أحمد الكرد وابنها أحمد (10 أعوام) الاستماع للبرنامج، وأخذ الرأي والمشورة والتعديل، بهدف الارتقاء بالبرنامج كي يلامس قلوب المستمعين وقلوب أهل غزة المنهكة فهو لسان حالهم دون تلوين، حسبما تقول.
وحرصت الدريملي على ذكر فريق عمل البرنامج ووصفه بالنخبة المميزة، وهم من الهندسة الاذاعية: محمد صلاح، ومحمود مشتهى، وبسام محيسن، والمخرج محمد أبو سمرة. ووفقًا لها فقد نال كل منهم نصيبًا من معاناة الحرب وآلامها.
"جاء البرنامج كصيحة مبدعة من أجل مواجهة العدو القاتل بالأدب والإبداع؛ لنثبت للعالم أن القهر الذي يتسببه العدو مهما كان شرسًا لن يفقدنا حقنا في الحياة".
وعن "حبر على الركام"، يقول ضيف الحلقة الأولى من البرنامج الكاتب والشاعر ناصر عطا الله لـ "نوى": "برنامج حبر على الركام فكرة نبيلة للدكتورة رابعة الدريملي وطاقم البرنامج من قلب الركام ومن خلف جدران الجوع ومقابض الموت المستمر في أفظع مقتلة وحشية بالتاريخ المعاصر".
"وجاء البرنامج كصيحة مبدعة من أجل مواجهة العدو القاتل بالأدب والإبداع؛ لنثبت للعالم أن القهر الذي يتسببه العدو مهما كان شرسًا لن يفقدنا حقنا في الحياة، والبرنامج أداة بمستوى الحنجرة التي تعبر عن هموم شعبنا، وتوضيح صريح عن مآلات واقع الفلسطيني الحالي، وهو جهد مقدر ويحترم نتمنى دعمه واستمراريته"، يضيف عطا الله.
























