شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 15 ابريل 2026م23:42 بتوقيت القدس

من خيام "غزالة" إلى "باريس"..

جدةٌ حمَلت "الذاكرة".. وحفيدٌ حرَسَ التاريخ!

12 يونيو 2025 - 17:32

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

هل تتخيلون أن قطعة تراثية من قرية فلسطينية نائية يمكن أن تقف في باريس مقابل اللوفر؟ ذلك الحلم تحقق بحروفٍ مكتوبة في وصية عتيقة، نفذها الحفيد السادس، الباحث الفلسطيني متحف عايد الترابين، من سلالة نساءٍ طبيبات وراويات للتاريخ، نشأن في قرية "غزالة" شمالي بئر السبع، جنوبي فلسطين، وحملن إرثهن الثقافي في زمن الشتات، ليصل اليوم إلى أكاديمية علم المتاحف الفلسطيني والعربي، في قلب العاصمة الفرنسية.

يقول الترابين لـ"نوى": "جدتي الطبيبة حاكمة الترابين، أنشأت أول نواة للمتحف عام 1790 م، داخل خيمتها في قرية غزالة، كجزء من ممارسة طبية ترتكز على الأعشاب والمعتقدات الشعبية، حيث كانت تعالج الجسد، وتحفظ الذاكرة من الاندثار".

هذا المتحف تطور لاحقًا، ليتحول إلى معرض حجري يحتوي على 15  ألف قطعة أثرية، لكنه تعرّض للنهب إبان النكبة والنكسة، مما دفع العائلة إلى تهريب ما تبقى من القطع إلى غزة، ومصر، والأردن.

في عام 2000م، بدأ الترابين تنفيذ وصية جدته الطبيبة حليمة، من الجيل الرابع، التي طلبت أن يُنقل التراث إلى بلد "يقدّر الدبلوماسية والحوار"، فكان الاختيار فرنسا، حيث أسس لاحقًا أول أكاديمية فلسطينية متخصصة في علم المتاحف عام 2022م.

وتضم الأكاديمية 14 مجموعة متكاملة، من بينها الأثواب والمطرزات التقليدية، والحُلي والزينة والتمائم، والطب الشعبي والأدوات العلاجية، والعملات القديمة والأسلحة البيضاء، بالإضافة إلى اللوحات والأيقونات الفنية، والطوابع والميداليات والوثائق النادرة.

ومن أبرز المقتنيات، يذكر الترابين، ثوبًا علاجيًا يعود عمره للقرن الرابع عشر، كان يُستخدم في طقوس معالجة النساء من العقم، وعملة ذهبية فلسطينية تحمل صورة الملك داريوس، ترمز لزمن ازدهار فلسطين، ناهيكم عن مجسم سماوي يربط الأرض بالنجوم، يعكس الفهم الفلكي القديم".

أكثر من ست سنوات أمضاها الترابين في عملية صعبة لنقل 5000  قطعة أثرية من عدة دول إلى باريس، مشيرًا إلى العقبات القانونية والمالية واللوجستية. "لكن الإنجاز الأكبر تحقق حين نجحتُ في إدخال فلسطين رسميًا في عضوية المجلس الدولي للمتاحف  (ICOM)، بعد حرمان استمر منذ عام 1946م" يستدرك.

هذا الاعتراف -والحديث للترابين-  يمنح الفلسطينيين حقًا قانونيًا بإنقاذ القطع الفلسطينية، وفتح آفاق تعليمية وثقافية أمام المتاحف الفلسطينية في الجامعات.

علاج للذاكرة

بالنسبة للترابين، المتحف ليس فقط مكانًا للعرض، بل مساحة للعلاج، "تمامًا كما يُداوى الجسد، تُشفى الذاكرة، ووصية جدتي تمنحني الدافع للاستمرار في حماية هذه القطع من السرقة والتزييف، وتوسيع نطاق المعرفة المتحفية الفلسطينية"، يؤكد.

في الأكاديمية، يعمل الباحث كليمنتينا بولي، المتخصص في علم "الإثنوغرافيا" الفلسطينية، حيث يقضي ساعات يوميًا في دراسة الوثائق والكتب النادرة بـ 3 لغات. يقول لـ"نوى": "وجودي هنا يتيح لي فهم الشعب الفلسطيني من الداخل، وتاريخه الملموس من خلال هذه القطع، مثل لوحات شهاب القواسمي التي تثير في داخلي حب الوطن".

ويضيف: "فلسطين هي مهد الإنسانية، ومن المدهش كيف أن الفلسطينيين ما زالوا يحتفظون بملامح أسلافهم في ممارساتهم وثقافتهم اليومية"، مردفًا: "هذا المشروع لا يعيد تعريف فلسطين فقط، بل يعيد التوازن الثقافي أمام الروايات المُشوّهة. وجود هذه الأكاديمية في باريس، هو إثبات بأن الشعوب المحتلة قادرة على الحفاظ على إرثها مهما طال الزمن".

كاريكاتـــــير