شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 15 ابريل 2026م22:14 بتوقيت القدس

أرّخت للمخيم منذ تاريخ "التهجير" 1948م..

"ذاكرة النكبة" سلاح "فائقة" الأخير: "إن نسينا انتهينا"!

15 مايو 2025 - 02:59

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في مخيم البريج وسط قطاع غزة ، حيث تتكئ الخيام على قهر الذاكرة، وتنام البيوت على ركام الحنين، تعيش المعلمة المتقاعدة، والكاتبة فائقة الصوص (أم أيمن).

لا تعترف فائقة إلا بعمر "أربعين عامًا"، قضتها في العطاء التربوي، معلمةً للغة العربية، وما بعدها من مهمّة "سرد الحكايات"، شاهدةً وراويةً لذاكرة المكان، وناقلةً لنبض المخيم في زمنين: نكبة فلسطين عام 1948م، ونكبة غزة الجديدة "مدّ الخيام وسطوة الجوع، وحمم النار التي تمطر رؤوس الآمنين هناك".

بدأت فائقة مشوارها التعليمي عام 1977م في الجزائر، قبل أن تعود عام 1995م إلى فلسطين، وتُدرس في المدرسة نفسها التي كانت طالبةً فيها بمخيم البريج.

حين تتحدث، تومئ بيديها بثقة، تتغير ملامح وجهها بانفعالاتٍ صادقة، وتكاد ترى في عينيها دمعة مؤجلة، كأنها تحكي لا لتُسمع فقط، بل لتُرى.

تكتب السيدة بعد سنواتٍ من التقاعد يوميات القصف والحرمان على صفحتها في "فيسبوك"، وتنقل أرشيفًا حيًا لوجعٍ ممتد.. من الخيمة الأولى حتى ركام "بيتٍ" بُنِي بشقاء العمر، من أول صف إلى الوطن.

ردّ الدَّين

بدأت فائقة مشوارها التعليمي عام 1977م، حيث عملت لسنوات في الجزائر، قبل أن تعود عام 1995م إلى فلسطين، وتُدرس في المدرسة نفسها التي كانت طالبةً فيها بمخيم البريج. تقول بنبرةٍ حنون: "كنت سعيدةً جدًا بالعودة إلى المخيم. حينها فقط، شعرتُ أنني أقدم شيئًا لوطني.. أعلم أبناء بلدي.. أبناء القضية، وأردُّ الدَّين الذي في عنقي لترابه الغالي".

لم يكن تعليم فائقة للطلبة الذي مروا على صفوفها يقتصر على اللغة، بل كانت تعمل أيضًا على غرس الانتماء. تردف: "كنتُ أركز على التربية الوطنية. الطفل في صفي كان يعرف من أي بلدة هُجّر جدُّه، ويعرف لماذا تُسمى محالنا التجارية وأسماء أولادنا على أسماء البلدات الأصلية، حتى كلمة بسيطة مثل "حجر" كنت أربطها بانتفاضة الحجارة، وأشرح له كيف قاومنا بها سبع سنوات، وأسسنا بها حلم الدولة".

بعد التقاعد

بعد تقاعدها، لم تتوقف فائقة عن التعليم، بل غيرت وسيلته، تحوّل القلم إلى صفّها الجديد. تخبرنا: "شعرتُ أن لرسالتي بقية فبدأت أكتب، ليست فقط للتلاميذ، بل لكل لاجئ فلسطيني على وجه الأرض".

كتاباتها التي تتنقل بين "فيسبوك" وصفحات الدفاتر المهترئة، وصلت إلى الفلسطينيين في غزة والضفة والشتات.

نشرت كتابين: "حكاية لاجئ" و"ذاكرة مخيم"، وفي كل منهما 36 قصة، تضم أكثر من 300 صفحة من تفاصيل الحياة اليومية في المخيم: من توزيع المؤن، إلى الطهي على الحطب، إلى التعليم تحت المطر بلا مظلات، عدا عن ديوان شعر جديد لم تنشره بعد بسبب ظروف الحرب.

"النكبة" بين الأمس واليوم

في حديثها، لا تُفرّق فائقة كثيرًا بين نكبة الأمس واليوم، لكنها ترى في الأخيرة ألمًا أعمق: "نكبة عام 1948م كانت قاسية، لكن فيها أمان نسبي، الوكالة كانت توفر الغذاء، والناس كانوا مترابطين، أما نكبة 2023، فهي أصعب بمراحل، نعيش تحت القصف، نخرج فقط لجلب الماء وأطنان القنابل تسقط على خيامنا وتحرق من فيها، الأطفال يُعانون المُر أمام التكايا، وكل واحد ينتظر دوره في الشهادة".

"أصبح الناس يحرقون أثاث بيوتهم لإشعال نار الطهي. الأمهات لم يعدن قادرات على تربية أطفالهن، فالضياع أكبر من أي احتواء، هذه النكبة لم تمر بتاريخ التتار ولا المغول ولا الهكسوس".

تصمت قليلًا قبل أن تضيف بصوت متهدج: "أصبح الناس يحرقون أثاث بيوتهم لإشعال نار الطهي. الأمهات لم يعدن قادرات على تربية أطفالهن، فالضياع أكبر من أي احتواء، هذه النكبة لم تمر بتاريخ التتار ولا المغول ولا الهكسوس".

وتنقل فائقة في كتاباتها مشهد النكبة كما لم تروِه نشرات الأخبار: "عاش اللاجئون الفلسطينيون بعد النكبة في بقايا الوطن والشتات تحت سقوف البؤس، داخل مخيمات افتقرت إلى الحد الأدنى من متطلبات الحياة الإنسانيّة. لقد اعترتهم كلُّ صنوف البؤس والحرمان؛ بيئتهم تعيسة، بيوتهم هشَّة، صيفهم خانق، شتاؤهم قاسٍ، كانوا أكثر تعاسة، وأكثر فقرًا، لكنهم كانوا أكثر ترابطًا، وأقوى عزمًا"، وتضيف بنبرةٍ حازمة وقد شدّت قبضة يدها بقوة: "إنهم أبناء جيل النكبة، الذين انتزعوا حقهم في الحياة بإرادة صلبة وعزيمة لا تستكين".

المخيم عنوان القضية

ترى فائقة أن ما تتعرض له المخيمات اليوم ليس عبثيًا، بل استهدافًا للعنوان ذاته: "المخيم هو أصل الحكاية، لذلك تم مسح جباليا، وضرب الشاطئ، ونصف البريج، وبلاطة، وجنين… المخيم هو الشاهد والصرخة والبداية".

ورغم إغلاق صفحتها العامة التي كانت تضم عشرات الآلاف، لا تزال تكتب كل يوم، على صفحتها الشخصية في "فيسبوك"، تُشارك وجعها، وتجد صدىً من آلاف القراء.

"أكتب لأن الذاكرة سلاحنا الأخير. إن نسينا، انتهينا".. اليوم، وفي تاريخ الخامس عشر من مايو/ أيار، التي تصادف الذكرى الـ77 للنكبة الفلسطينية، تكتب فائقة الصوص ليس لتوثق فقط، بل لتحيي في كلماتها ذاكرة "الخيمة الأولى"، ولتُشعر كل من يقرأ لها وجع التهجير الكبير.. كي لا يُطمس تحت ركام الحرب الجديدة، "المخيم ليس بيوتًا، بل ذاكرة من وجع وكرامة".

كاريكاتـــــير