شبكة نوى، فلسطينيات: غزة- رشا أبو جلال
بخطواتٍ حذرة، كان فايز العشي يقفزُ بين كومةٍ من الأحجار المتناثرة، ثم يقف ضاربًا كفًا بكف، بينما الحسرة تملأ ملامحه.
كان العشّي كمن يتجنب الدوس على هذه الأحجار "المقدّسة دينيًا"، فضلًا عن أنها تعود بعمرها لمئات السنين، إلى حيث بُنيَ المسجد العمري الكبير وسط غزة، الذي دمّره القصف الإسرائيلي الهمجي.
وألحق القصف الإسرائيلي أضرارًا كبيرة بالمسجد مع سقوط جدرانه وأسقفه، وتصدع الجزء السفلي من المئذنة الحجرية.
ويبلغ عمر هذا المسجد التاريخي الذي يعدُّ الأكبر والأقدم في قطاع غزة نحو ١٥٠٠ عام، وقد سمي بهذا الأسم تيمنًا بثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب.
يقول العشي بحسرة: "لقد دمروا غزة بماضيها وحاضرها ومستقبلها. لقد دمروا كل شيء يرتبط ببقائنا هنا".
وأضاف: "كان هذا المسجد قبلة الناس لأداء صلاة التراويح في شهر رمضان، ولطالما سمِعَت جدرانه تكبيرات العيد على مر القرون الماضية".
وعدَّ الخبير التاريخي ناصر اليافاوي تدمير المسجد العمري جريمةً بحق التراث، وبحق التاريخ الفلسطيني الممتد على مدار العصور الماضية.
وتبلغ مساحة فناء المسجد -تبعًا لليافاوي- 1190 مترًا مربعًا، ويعدُّ أحد أهم المواقع الأثرية والدينية في قطاع غزة، وارتبط تاريخه بآلاف السنين حيث تأسس على شكل دير بيزنطي في القرن الخامس الميلادي، ثم تحوَّلَ إلى مسجدٍ ليكون جزءا من النسيج الثقافي للشعب الفلسطيني، وهو شاهدٌ على ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه.
واستهدف القصف الإسرائيلي مبنى "قصر الباشا" الأثري، في حي الدرج شرقي مدينة غزة، الذي يعود للعهد المملوكي.
ويضم القصر، الذي يمزج بين عمارتين تعودان للعهدين المملوكي (1260م- 1516م)، والعثماني (1516م- 1917م)، متحفًا عرضَت فيه وزارة الآثار بغزة قطعًا أثريةً فريدة، من فخّارٍ، وزجاجٍ، وأعمدة كورالثية، وزينة نساء، وغيرها، ترجع للعصور اليونانية، والرومانية، والبيزنطية، والإسلامية.
وقال حسني مهنا الناطق باسم بلدية غزة التي تشرف على القصر: "القصف الإسرائيلي طال أجزاءً واسعةً، وأحدثَ أضرارًا كبيرةً في التحف والقطع الأثرية بداخله".
وأوضح مهنا أن تدمير جيش الاحتلال لقصر الباشا، يأتي في إطار حرب "إسرائيل" على التراث والتاريخ الفلسطيني، عادًا هذا الاستهداف تعديًا سافرًا على تاريخ وتراث غزة، وجريمةً بحقه.
ولفت إلى أن الاحتلال دمَّر العديد من المباني الأثرية والتاريخية التي تشرف عليها البلدية، وأهمها مركز رشاد الشوا الثقافي، وأرشيف بلدية غزة.
وطالب المؤسسات الدولية بالتدخل السريع؛ لوضع حدٍ لاستهداف "إسرائيل" الممنهج للمواقع التراثية والثقافية والتاريخية بغزة.
حمام السمرة أيضًا، أحد أهم المواقع الأثرية التي دمرتها طائرات الاحتلال خلال عدوانها على القطاع.
ويعود بناء الحمام إلى ما يقارب ألف عام، فيما تبلغ مساحته نحو 500 متر، ويعدُّ مزارًا سياحيًا وعلاجيًا في الوقت ذاته. وأول من قام بالعمل به هم السامريون، ومن هنا بدأ يطلق عليه اسم حمام "السُمره".
عودةٌ إلى اليافاوي، الذي أكد أن غزة تعد من مدن العالم القديمة، حيث خضعت لحكم الفراعنة، والإغريق، والرومان، والبيزنطيين، ثم العهد الإسلامي، موضحًا أن إسرائيل تعمدت استهداف التاريخ الفلسطيني، لأنه جزء مهم من تشكيل الهوية الفلسطينية، التي تسعى لتدميرها ومحوها.
وتحدث اليافاوي عن معالم تاريخية تعرضت للقصف الإسرائيلي، مثل بيت لاهيا شمالي القطاع، التي تضمُّ معبدًا أثريًا من العهد الروماني الوثني، وتل أم عامر المذكورة في خريطة مادبا الفسيفسائية باسم "تاباثا"، ويوجد فيها "دير سانت هيلاريون"، وهو من أديرة الرهبان القديمة.
وذكر المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، أن "إسرائيل" دمّرت منذ السابع من أكتوبر أكثر من 200 موقع أثري وتراثي، من أصل 325 موقعًا في القطاع.
ومن بين المواقع المستهدفة كنيسة القديس "بيرفيريوس" التي يبلغ عمرها 1800 عام، وهي من أقدم كنائس العالم، ومسجد السيد هاشم وفيه قبر جد الرسول محمد، وسوق الزاوية الأقدم في غزة، والجامع العمري الكبير، ومواقع الاستكشافات الأثرية مثل المقابر البيزنطية شرقي جباليا شمال قطاع غزة.
وعدّت وزارة السياحة والآثار في رام الله، في بيانٍ أصدرته، استهداف المواقع الأثرية الفلسطينية، جريمةً تضاف إلى جرائم أخرى ارتكبها الاحتلال في عدوانه على الشعب الفلسطيني.
وأشارت إلى أن العدوان الإسرائيلي دمَّرَ مساجد أثرية وكنائس ومدارس ومتاحف ومنازل قديمة ومواقع تراثية مختلفة، يعود بعضها لعصورٍ فينيقية ورومانية، فيما يعود تاريخ بناء بعضها إلى 800 عام قبل الميلاد.
وأضافت الوزارة: "هذا التدمير هو اعتداء مباشر على الممتلكات الثقافية الفلسطينية، وهو مخالفٌ لكل المعاهدات والاتفاقيات الدولية بما فيها اتفاقية "لاهاي" لعام 1907م، وجنيف الرابعة لعام 1949م، واتفاقيات الـ"يونسكو" حول حماية الممتلكات الثقافية.
وفي الحادي والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان: "إن إسرائيل تتعمد تدمير المعالم الأثرية الفلسطينية بغزة، في استهداف صريحٍ للإرث الحضاري الإنساني"، مشيرًا إلى أن القانون الدولي الإنساني يحظر في كافة الظروف الاستهداف المتعمد للمواقع الثقافية والدينية "التي لا تشكل أهدافًا مشروعة، ولا تعد ضرورةً عسكرية".
























