شبكة نوى، فلسطينيات: أحلام حماد غزة –نوى/ فلسطينيات
بالملابس التي يرتدونها، وبشنطة الوثائق الصغيرة، خرَجت أم محمد عوض من بيتها في بلدة عبسان شرقي مدينة خان يونس جنوب القطاع برفقة زوجها وأبنائها الأربعة، بعدما شعرت أن الموت بات على بعد خطوات قليلة منهم.
غارةٌ جويةٌ إسرائيلية دمرت مسجدًا ملاصقًا، دفعت بالعائلة إلى منزل أقارب لها في حي الأمل في نفس المدينة. ولأن لا مكان آمن على امتداد المساحة الجغرافية الصغيرة لقطاع غزة، فقد اضطرت إلى النزوح مجددًا بعدما ضرب صاروخٌ منزلًا مجاورًا. تقول لـ"نوى": "ننزح ونحن نعلم أن الموت الذي نفر منه يحلق فوق رؤوسنا. إن ما نتعرض له للشهر الثاني على التوالي حرب إبادة".
في منزل عائلتها في المدينة ذاتها، حيث استقر بها المقام، تعج الطوابق الثلاثة بأعدادٍ كبيرةٍ من النازحين، بينما كل ما يشغل بال أم محمد أن لا تضطر إلى النزوح للمرة الثالثة، حيث لا مكان تذهب إليه، حتى في مدارس الإيواء التي فاضت بمئات آلاف النازحين من مدينة غزة وشمالها، إضافةً إلى النازحين من المدينة نفسها.
وتقدر وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن 745 ألف نازح، يقيمون حاليًا في 155 مركز إيواء داخل مدارسها في جنوب القطاع، حيث نزحوا من مدينة غزة وبلدات بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا وقرية أم النصر شمالًا، على وقع التهديد الإسرائيلي.
حكاية أم محمد مع النزوح المتكرر ليست استثنائيةً في غزة التي تتعرض منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر الماضي، لحرب عنيفة وغير مسبوقة في دمويتها، أسفرت عن أكثر من 11 ألف شهيدًا، وأكثر من 28 ألف جريح، وتشريد زهاء مليون و700 ألف فلسطيني/ــة من منازلهم، سواءً داخل المدينة الواحدة أو من شمال القطاع إلى جنوبه.
وقد قدرت السلطات المحلية القيمة الأولية لخسائر المباني السكنية بنحو مليارَي دولار، ومليار أخرى قيمة الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية، وتقول أم محمد: "كله معوّض، لكن من يعوضنا عن أحبتنا وأصدقائنا الذين خطفهم الموت؟".
واحدة من حكايات النزوح المتكررة والمؤلمة، كانت ضحيتها الزميلة الصحفية نيلي المصري، التي اضطرت ووالديها وأسرة شقيقتها بأبنائها الستة وزوجها، الذين لجأوا إليهم من منزلهم في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، إلى النزوح لشقة شقيقتها في مدينة الزهراء المتاخمة لمدينة غزة من الجهة الجنوبية.
كانت نيلي تقيمُ ووالدها المقعد على كرسي متحرك، ووالدتها السبعينية، في منزلٍ في شارع الجلاء بمدينة غزة، قبل أن تنتقل برفقة كل من سبق ذكرهم معها إلى شقة شقيقتها الثانية بمدينة الزهراء، المكونة من غرفتين فقط، والتي اكتظّت بـ 16 فردًا، وسط أجواء من الرعب عاشوها لحظة بلحظة لنحو أسبوع، حيث الغارات الجوية الإسرائيلية تدك أهدافًا في محيط المكان.
وفي صباح سابع أيام النزوح دكت مقاتلات حربية برجين سكنيين من سبعة طوابق على مقربة منهم، ومساء ذلك اليوم أنذر جيش الاحتلال شقيقة نيلي وجيرانها في الأبراج المجاورة بإخلائها، وعن تلك اللحظات المرعبة ليلًا تقول لـ"نوى": "كان الوضع مأساويًا، وفي لحظةٍ ما تشعر بأن الموت يحتضنك ويحكم الخناق حول رقبتك".
تمالكت نيلي نفسها، ووضعت سريعًا خطة الإخلاء السريعة، واتخذت قرارًا مؤلمًا بالنسبة لها بالتخلي عن معداتها الصحفية، كي تتمكن من إخلاء والديها والأطفال.
ومع آلاف آخرين قضوا طوال الليل منبطحين أرضًا والموت والرعب يحيط بهم، نتيجة غارات عنيفة دمرت عددًا كبيرًا من الأبراج السكنية بالمدينة. ووصفت نيلي تلك الليلة بأنها "الأشد رعبًا" خلال الحرب، وبعدها، ومع ساعات الصباح نزحت وأسرتَي شقيقتيها نحو مخيم النصيرات وسط القطاع، وأقاموا جميعًا في شقةٍ ينزح بها ابن عمها بأسرته، لكنهم سرعان ما اضطروا للنزوح للمرة الثالثة لمخيم البريج المجاور، بفعل شدة الغارات، غير أن إنذارًا إسرائيليًا لم يمهلهم طويلًا، فاضطروا للنزوح من البناية التي سويت بالأرض بعد إخلائها.
وقضت نيلي و23 فردًا معها في طابق سفلي لمخبز متوقف عن العمل، دون طعام أو ماء أو أغطية، قبل أن يتفرقوا نحو أماكن مختلفة، وتوجهت هي مع والديها وأسرة شقيقتها التي دمر منزلها في مدينة الزهراء، نحو منزل صديقتها في مدينة دير البلح، والقلق يسيطر عليهم من نزوح جديد.
























