شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 30 ابريل 2026م16:22 بتوقيت القدس

أحداث "الدامون".. تفاصيل "القَمعة" كما يرويها مُحرَّرُون

02 فبراير 2023 - 12:39
صورة من مشاهد اعتداء سابق على الأسرى عام 2021
صورة من مشاهد اعتداء سابق على الأسرى عام 2021

غزة:

"كان الجو حارًا. هذا ما أذكره، قبل أن تنهال علينا السجانات الإسرائيليات، ومعهن مدير السجن بالضرب بالهراوات" تقول الأسيرة المحررة نسرين أبو كميل (47 عامًا) لـ"نوى" في محاولةٍ لاسترجاع ذكريات القمع داخل "الدامون" حيث قضت هناك من عمرها 6 سنوات.

"كل هذا لأننا حاولنا حماية زميلتنا! لقد تحولت الفورة إلى ساحة معركة، عندما حاولت السجانات انتزاع الأسيرة غدير الأطرش من بيننا لنقلها إلى العزل الانفرادي" تتابع. حينها أحطنا بها جميعًا، وكن 26 أسيرة، ثم تطور الأمر لمواجهة غير متكافئة على الإطلاق، بين مجندات وجنود مدججين بالأسلحة، وأسيرات بأيدٍ عارية، يحاولن إثبات إنسانيتهن، وإرادتهن هناك.

حدث ذلك عام 2017م، أي بعد اعتقال نسرين عام 2015م، لدى مرورها على حاجز بيت حانون شمال قطاع غزة، أثناء توجهها لزيارة أهلها بالداخل المحتل. اعتقالٌ تعسفي، مرورًا بتحقيقٍ تخلله تعذيب قاسٍ، وصولًا إلى تجربة السجن، الذي خرجت منه مصابةً بكومة من الأمراض، وتجارب عديدة في مواجهة قمع السجان. إنها تستثمر اليوم أي فرصةٍ للحديث عن معاناة الأسيرات في فلسطين، "وهذا واجبي الذي لن أتخلى عنه أبدًا" تعقب.

اقرأ/ي أيضًا: نسرين أبو كميل.. "أحمد" لم يعُد رضيعًا يا أُمَّهُ

بالعودة إلى حادثة "غدير"، تستمر نسرين في استرجاع الحدث، فتكمل: "صفعتُ مدير السجن على وجهه، وألقيت التلفاز بقوة على رأس إحدى المجندات أثناء المواجهة. رغم ذلك سحبوها من بيننا بالقوة".

عاقب الاحتلال الأسيرات اللواتي تصدين للقوة حينها -ومن بينهن نسرين- وشيرين العيساوي، وصباح فرعون، وبتول الرمحي وغيرهن، بالعزل الانفرادي، والغرامات المالية، والحرمان من زيارة الأهل. تقول: "أنا أصلا كنت محرومة من الزيارة في ذلك الوقت لأنني من قطاع غزة، تمامًا ككل أسرى القطاع".

وتتعرض الأسيرات الفلسطينيات، في سجن الدامون منذ عدة أيام، لعمليات قمع واقتحام، بسبب احتجاجهن على عزل الأسيرة ياسمين شعبان، التي لم يعرفن أية أخبارٍ عنها حتى هذه اللحظة، وفقًا لهيئة شؤون الأسرى.

نسرين:تحدث عمليات الاقتحام ليلًا، فينقلوننا إلى خارج الغرف بدعوى التفتيش، يتركوننا في البرد وخاصةً أوقات المنخفضات الجوية

وفيما أغلقت إدارة السجن القسم، وفرضت عقوبات على الأسيرات، تتراوح بين العزل الانفرادي، والغرامة، والحرمان من الزيارة، "فقد أكدت الأسيرات على مجموعةٍ من المطالب لإنهاء الاحتجاجات، تتمثل بإنهاء العزل، والكشف عن مصير الأسيرة ياسمين أبو شعبان، ووقف كافة أشكال التنكيل بحقهن".

ويبدو المحررون والمحررات، الأكثر تأثرًا بأخبار اعتداء قوات الاحتلال على الأسيرات والأسرى داخل السجون. يستعيدون بالتفصيل ما يحدث، وما عايشوه من ضرب، واستنشاق للغاز السام، وغاز الفلفل الذي يحرق العيون والحلق والحلق، وحتى الترهيب بالكلاب البوليسية.

اقرأ/ي أيضًا:"لسنا أرقامًا".. وراء كل أسيرة حكاية ألم

تقول أبو كميل: "هذه الأخبار تصيبني بحالة من القلق. كل التفاصيل التي تحدث مع الأسيرات أعرفها جيدًا، فالاحتلال لا يحترم أي خصوصيات. بالعادة تحدث عمليات الاقتحام ليلًا، فينقلوننا إلى خارج الغرف بدعوى التفتيش، يتركوننا في البرد وخاصةً أوقات المنخفضات الجوية".

حتى اللحظة، تعاني نسرين مشاكل صحية بسبب ظروف السجن، السكر والضغط، وآلام في اليدين والظهر نتيجة الشبح لا تفارقها. تختم: "تخيلوا، سجننا كان ذات يوم اسطبلًا للخيول! غرف ضيقة في الواحدة منها 8 أسيرات، ينمن على أسرة مكونة من طابقين. لا تدخلها الشمس، ولا الهواء، وكل هذا كاف للإصابة بالمرض، فما بالكم بالقمع وإطلاق قنابل الغاز والضرب بالهراوات داخلها؟!".

إياد :كأسير محرر، أعيش كل التفاصيل التي تجري الآن وأعرف ما يحدث. أشعر بالألم الذي يعانيه الأسرى والأسيرات

بدوره، يقول المحرر إياد الجرجاوي، الذي اعتقله الاحتلال عام 2011م، وقضى في الأسر 9 سنوات: "إن اقتحام السجون أو "القمعة"، فهي من أصعب الأحداث التي يمكن أن يمر بها الأسير، حيث قنابل الغاز، والضرب بالهراوات، وهنا يصبح الأسرى في حالة شلل، فيقتحم الجنود الغرف، ويسحبونهم بعنف إلى ساحة السجن، حيث يعتدون عليهم هناك مجددًا، ويكبلونهم لمنع الحركة".

ويزيد: "كأسير محرر، أعيش كل التفاصيل التي تجري الآن وأعرف ما يحدث. أشعر بالألم الذي يعانيه الأسرى والأسيرات، فقد عشته من قبل، وأنا اليوم في بيتي، وبين أهلي، لا أستطيع الشعور بالاستقرار وهناك أصدقاء الأسر في كرب".

يضيف الجرجاوي: "تخيلوا أن حالة الوئام بين الأسرى كافية كسبب بالنسبة لإدارة السجن كي تنفذ حملة تنقلات! نعم، كي يحرموا الأسرى من التقاء بعضهم"، مؤكدًا أن الجنود، وبعد كل عملية قمع، يسحبون أشياء تخص الأسرى، مثل التلفزيون، والأجهزة الكهربائية، وبعض المقتنيات التي هي حق لهم، ليعيدوها إليهم بعد نضالات مطلبية، وإضرابات عن الطعام.

اقرأ/ي أيضًا:إهمال طبي فلسطيني بحق المحررين..إليكم قضية إياد

يستدرك: "لا أسباب محددة لعمليات الاقتحام والقمع، فكلما تسلّمت حكومة جديدة، أو مدير سجن جديد، يفرضون سيطرتهم على السجون أولًا، وأحيانًا تبدأ المواجهة من طرف الأسرى مثلًا عند محاولة عزل أسير، أو الاعتداء على أهالي الأسرى، وعام 2017م، بسبب الاعتداء على الأسيرات".

يتحكم بقرارات الاحتلال حاليًا حكومة متطرفة، وإيتمار بن غفير يدعي أن السجون "فنادق"، مع أنه زارها ويعلم أنها قطعة من العذاب. غرفٌ ضيقة، شديدة الرطوبة، لا تدخلها الشمس، مزودة بأجهزة مسرطنة، أصيب بسببها عدد من الأسرى بالمرض الخبيث، "لكن الاحتلال يريدها أصعب. أكثر فتكًا وتدميرًا للفلسطيني" يعلق.

ويكمل: "لا يملك الأسرى أمام القمع سوى الصمود، والرد بالأيدي لمن يملك بعض الطاقة. تخيلوا 60 جنديًا يطلقون القنابل في غرفة بداخلها 8 أفراد، وعندما يسحبونهم للخارج يجدون 600 جندي غيرهم، يطلقون الغاز السام نجوهم، ويعتدون عليهم بالضرب".

يستذكر إياد أول تجربة عاشها مع "القَمعة" عام 2012م، أي بعد اعتقاله بعام واحد، حين اتهم مدير السجن الأسرى بتهريب هواتف محمولة، وطلب منهم تسليمه 10 هواتف. تساءل إياد: "من أين نأتي له بعشر هواتف؟"، وهنا بدأت عملية الاعتداء.

اقرأ/ي أيضًا:من ظُلمة السجن لنور السماء.. وداعًا ناصر أبو حميد

ولا ينسى أبدًا عام 2013م، عندما هلل الأسرى فرحًا بفوز الفنان محمد عساف بلقب محبوب العرب، فجنّ جنون إدارة السجن، وبدأوا حملة قمع في صباح اليوم التالي. "كل هذا لأننا شعرنا بالفرح، رغم أن مشاهدة القناة التي كانت تبث البرنامج أصلًا كانت أحد مطالب الأسرى في إضرابٍ سابق!" يقول بصوتٍ يرتعش وجعًا.

ويختم: "التضامن الذي نراه مع الأسرى جميل، ولكن من المهم أن يكون ممنهجًا، ومنظمًا، وليس حالةً عاطفيةً مؤقتة. نسمع شعارات الدعم والمساندة، هذا جميل، لكن على الجميع أن يفهم أن هذا البطل هو في النهاية إنسان، لديه حياة محروم منها، وعائلة يجب أن يراها. كم كنا نتألم عندما نسمع أن ابنة أسيرٍ خُطبت، بينما والدها لم يعرفها إلا طفلة! أو أن ابن أسيرٍ التحق بجامعةٍ عريقة. تخيلوا، هم بالكاد يرون الشمس، والتركيز على التفاصيل التي يعيشونها، والتحام الشعب كله باتجاه مطالب إنسانية تخصهم، هذا هو المطلوب حقًا".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير