شبكة نوى، فلسطينيات: ما إن تلقت يُمنى (اسم مستعار) سُلفةً من روضة الأطفال التي تعمل فيها استباقًا لموعد الراتب الذي يتزامن مع أول أيام شهر رمضان المبارك؛ حتى انطلقت إلى السوق الشعبي القريب من الحي الذي تسكنه.
هناك، لم تُعر اهتمامًا لفرش الخضار أو اللحم أو حتى الفاكهة، فكل ما كان يعنيها محلّات الهدايا حيث أضواء الفوانيس تنير ليل الملتاعين للفرج في رمضان. هي لم تستطع أن تتجاهل الدموع التي بللت ملابس طفلها ابن السبعة أعوام، وهو يطلب منها تزيين البيت كما أصدقاؤه الذين جاءوا إلى المدرسة يصفون الزوايا، والمضافات التي جهّزوها بحبال الإضاءة والزينة والفوانيس الملونة استقبالًا لشهر الصيام.
تقول السيدة لـ "نوى": "زوجي لا يعمل، ونحن حتى لم نتلقَّ راتب الشؤون الذي طال انتظاره، لكنني لم أستطع أن أتجاوز المشهد. أطفالي بحاجة إلى الفرح حرفيًا".
اكتفت أمينة بشراء حبل إضاءة، وبعض أوراق الفوم لتصنع فانوسًا بحجمٍ متوسط، وآخر بحجم صغير تخص به طفلها الصغير أحمد.
وكانت هذه، المرة الأولى التي تستعد فيها أمينة لشهر الخير ببعض الزينة. تعلق: "لم أجد أمامي إلا أن أطلب سلفة. قد يجد البعض هذا ترفًا لواحدةٍ تعيش ظروفي، لكن صدقوني، أن تُحرم الفرح أبشع بكثير من أن تبيت بلا عشاء ليلةً واحدة".
وفي قطاع غزة، صار تزيين المنازل استقبالًا لشهر رمضان المبارك طقسًا لا يمكن تجاهله، فالمار في شوارع غزة ليلً، يرى بوضوحٍ أحبال الزينة والأهلة المضيئة تتدلى من الشرفات، وقد يلمحها من داخل بعض النوافذ المغلقة، بأضوائها المختلفة التي تتلاحق تباعًا بين أزرقٍ وأصفرٍ وأخضر. في المقابل، جولةٌ قصيرةٌ في الأسواق تجعلك قادرًا صديقي القارئ على أن تتخيل حجم المنافسة بين المحلات التجارية في تحضيراتها لكل أشكال الزينة: أحبال الإضاءة، الفوانيس بالأحجام والأشكال المتعددة التي ترضي كل شرائح المجتمع.
في سوق الزاوية الشعبي شرق مدينة غزة، كان أبو محمد يتجول بحثًا عن زينةٍ مميزةٍ لرمضان، رغم أنه يعترف بجهله في أشكالها وأنواعها! يقول: "كانت زوجتي متكفلة بهذه التجهيزات، لكن منذ وفاتها قبل عامين وأنا أحاول أن أقوم بذات الدور، وأردت أن يستقبل أبنائي الشهر الفضيل بذات الطريقة التي اعتادوا عليها في حياتها. لا أريدها أن تكون مناسبة لاستحضار الحزن، بقدر ما تكون فرصة لنثر بعض المشاعر الإيجابية".
في ذات الوقت، وبينما كانت سهام أبو دية تحمل فانوسًا باهظ الثمن، وبعض الزينة المختلفة، قالت لـ نوى: "لست نادمة على شراء هذا الفانوس، صحيح أنها المرة الأولى التي أفعلها، لكنني على يقين بأنني سأستخدمه لسنوات قادمة حتى يهترئ".
تتابع بينما تواصل البحث عن أشياء أخرى قد تصنع فارقًا بنظرها خلال شهر الخير: "في غزة لا أبالغ بقولي إننا ندفع ثمن البهجة، هذه التي ربما ستشغل ذاكرتي التي تربط رمضان بذكريات العدوان".
تكمل الأم لطفل عمره عامين: "أردت أن يتعرف طفلي على طقوسٍ تسعده، أردت أن أشارك الصور على حساباتي لتشجيع الناس على الاحتفال بالشهر المبارك".
تؤمن سهام أبو دية أن الأمر لا يرتبط بتكلفة عالية بقدر ما هو متاح بأيدينا، "لا أجزم أنني سأعيش ليوم الغد، هذا ما أقنعت نفسي به عندما اشتريت الفانوس بمبلغ ١٩٠ شيكل. زينت المنزل، والتقطت الصور الشخصية لي ولأسرتي، ودعوت أشقائي لزيارتي لنفعلها معًا. إنها فرصة للمة ودّية، نتبادل فيها الحديث عن الزينة واستقبال الشهر بدلاً من الأسى الذي لا ينفك عن ملاحقتنا في هذه البلاد " تختم.
























