غزة:
المياه في قطاع غزة، واحدٌ من أكثر الملفات تعقيدًا وبطئًا في الحل، بدءًا من ارتفاع نسبة المياه غير الصالحة للاستهلاك الآدمي إلى 97%، واعتماد المواطنين على المياه المشتراه من محطات التحلية الخاصة، وصولًا إلى وجود أكثر من 4000 بئر عشوائي، ما يزيد من استنزاف الخزان الجوفي.
ويؤثر عدم إنشاء شبكات صرف صحي في كافة مناطق قطاع غزة، واعتماد بعضها على الآبار الامتصاصية، زيادةً في تلوث الخزان الجوفي نتيجة تسرّب مياه البحر إليه، ما يزيد من ملوحة مياهه. ومقابل كل هذا، الكثافة السكانية آخذةٌ في ارتفاع في بقعةٍ محاصرة منذ 16 عامًا، لا تتجاوز مساحتها 360 كيلو مترًا مربعًا.
"هذا يجعل الحلول معقدة، وبطيئة، لكننا نجزم أنها ليست مستحيلة" تقول أخصائية المراقبة والتخطيط في سلطة المياه بغزة، المهندسة لبنى بسيسو، في محاولةٍ لخلق بصيص أمل في ظل واقعٍ متردٍ يعاني منه قطاع غزة على كافة الصعد، مشيرةً إلى أن المشكلة الرئيسة فيما يتعلق بقضية المياه، تكمن في اعتماد السكان كليًا، على الخزان الجوفي "المستنزف" كمصدرٍ أساسي لمياههم.
تفاصيل أكثر، ومعلومات أدق، تطرحها م.بسيسو ضمن حوارٍ أجرته معها "نوى"، بمناسبة اليوم العالمي للمياه، الذي يوافق 22 مارس/ آذار من كل عام.
تقول: "يعاني قطاع غزة من اعتماده على مصدرٍ وحيدٍ للمياه هو الخزان الجوفي، الذي استنزفته الكثافة السكانية العالية التي تبلغ 3.4% سنويًا، كما أنه يستوعب سنويًا 50-60 مليون متر مكعب من مياه الأمطار، بينما يستخرج ما يقارب 200 مليون كوب سنويًا، مما يوجد عجزًا يتراوح بين 120 و150 مليون متر مكعب، ويسهم في تسرب مياه البحر إلى الخزان الجوفي".
وتردف بالقول: "نعاني ندرة المياه، وضعف جودة المتوفر، وهذا يحتاج لعملية طويلة من الإصلاح، تتضمن انشاء محطات التحلية، وشراء المياه من الجانب الإسرائيلي، بغرض تحقيق الأمن المائي، الذي يستهلك قطاع غزة 50% من كميته المتوفرة، أي نحو 100 مليون كوب سنويًا".
وتوضح بسيسو، أن مشكلة الصرف الصحي، تتعلق بشقين، الأول يخص قدرة محطات معالجة مياه الصرف الصحي على استمرار العمل، "فالمحطات القديمة، ذات قدرة معالجة محدودة ونظام المعالجة فيها ليس بالجودة المطلوبة"، مردفةً: "ناهيكم عن أن انقطاع الكهرباء المتكرر في قطاع غزة، يدفع إلى التخلص من مياه الصرف الصحي إلى البحر مباشرة دون معالجة بشكل مناسب".
أما الشق الثاني، فيتعلق بعدم تغطية شبكات التجميع لكل الأماكن في قطاع غزة –وفقًا لبسيسو- "فهناك مناطق خاصة شرق قطاع غزة، ما زالت تعتمد على الحفر الامتصاصية، وهو أحد مسببات تلوث الخزان الجوفي" تزيد.
التدخلات
وتؤكد بسيسو، أن سلطة المياه الفلسطينية، نفذت العديد من التدخلات لمعالجة هذا الواقع، وصممت استراتيجية تتضمن خطةً لإصلاح الوضع المائي في قطاع غزة، جزء منها مرتبط بالإنشاءات، والآخر بتطبيق قانون المياه، وتطوير المؤسسات العاملة في هذا الإطار.
على المستوى الأول (والحديث لها)، أنشأت سلطة المياه ثلاث محطات تحلية محدودة الكمية، الأولى تخدم مدينة غزة وتستطيع توفير 10 آلاف كوب يوميًا، والباقيتان في الوسطى، تغطي الأولى منهما دير البلح، والثانية تغطي غرب خان يونس وغرب رفح جنوب قطاع غزة، وبقدرة 6000 كوب يوميًا، لكلٍ منهما.
وتشير بسيسو إلى أن هناك مواطنين لمسوا تحسنًا في كمّيات المياه الصالحة التي تصلهم، وسيتم عمل دراسة بالتعاون مع مصلحة مياه بلديات الساحل لتحديد المناطق والأحياء التي تصلها هذه المياه بشكل دقيق، "ويتم العمل لزيادة قدرة هذه المحطات لتصل قدرتها الاجمالية ل 13 مليون كوب سنويا".
وتنبه أخصائية المراقبة والتخطيط في سلطة المياه إلى أن العمل جارٍ على إنشاء محطة مركزية لتحلية مياه البحر لقطاع غزة، يفترض أن توفر وفق الخطة 55 مليون كوب، وقد عملت سلطة المياه على حشد وتوفير معظم التمويل اللازم لها والتي تتجاوز النصف مليار يورو.
أما حاليًا –تتابع- فقد عملنا على إعادة تأهيل الشركات التي يمكن أن تعمل معنا خلال مراحل المشروع، لوجود الكثير من الأعمال المصاحبة، والنفقات التشغيلية اللازمة، متابعةً: "كما يجري العمل على مشروع لتحديد التعرفة المناسبة مقابل هذه الخدمة، بما يراعي الوضع الاقتصادي للمواطنين في قطاع غزة".
ولفتت بسيسو إلى المشاكل والتحديات التي تواجه تحقيق الأمن المائي في قطاع غزة، وأبرزها: الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ومنع الاحتلال لإدخال الكثير من المواد والآلات اللازمة للتطوير بحجة ازدواجية الاستخدام، وفرض الكثير من القيود على ما يدخل، بالإضافة إلى تكاليف التشغيل والصيانة العالية لمحطات تحلية المياه، ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، وعدم وجود تكافؤ بين النفقات التشغيلية، وما تجبيه البلديات. متابعةً: "هذا ويجري العمل على دراسة التعرفة المناسبة مقابل هذه الخدمة، بما يراعي الوضع الاقتصادي للمواطنين في قطاع غزة".
وأشارت إلى ظاهرة انتشار محطات التحلية الخاصة، التي ليس لسلطة المياه رقابة مباشرة عليها كونها تتبع لوزارتي الصحة والاقتصاد في قطاع غزة، "لكن الأصل، الرقابة على كل مراحل العمل فيها بدءًا من عملية التحلية، حتى وصول المياه إلى الخزانات في بيوت المواطنين" تستدرك.
معالجة الصرف الصحي
وحتى وقتٍ قريب، لم يكن لدى قطاع غزة، محطات معالجة مياه صرف صحي بالمستوى المطلوب، "لكن حاليًا لدينا ثلاث محطات معالجة، واحدة شمال قطاع غزة، والثانية في مدينة غزة، والثالثة في خانيونس جنوب قطاع غزة" تقول.
وتابعت: "المحطات الثلاث؛ تعمل بقدرة 44.6 مليون كوب يوميًا، ويُفترض أن تصل مستقبلًا حسب الخطة إلى 108 ملايين كوب، لكن حاليًا يجري العمل على جلب تمويل لتنفيذ المراحل الأخرى لها"، مشيرةً إلى وجد تطور ملحوظ، يظهر في عدم لجوء البلديات إلى ضخ مياه الصرف الصحي للبحر كما حدث في مراتٍ سابقة.
وأضافت: "هذه المحطات عملت بقدرة 30 ألف كوب وزادت تدريجيًا، ويجري العمل على توفير تمويلٍ لتركيب طاقةٍ شمسية لها، بحيث يتم ضمان وصل التيار الكهربائي فيها على مدار الساعة"، معقبةً بالقول: "في محطة الشمال، تم توفير تمويل من الحكومتين الإيرلندية والنرويجية لتوفير طاقة شمسية لمحطة خانيونس، وسيتم تنفيذ المرحلة الثانية بتمويل من الاتحاد الأوروبي والبنك الإسلامي للتنمية أيضًا".
وعقّبت بسيسو على انتشار برك تجميع مياه الصرف الصحي في العديد من المناطق السكنية، وما تبع ذلك من إلحاق الضرر بالمواطنين، بالقول: "هذه المشكلة القائمة ليست مسؤولية سلطة المياه بشكل مباشر، ولكنها تسعى لإيجاد الحلول لها بكل تأكيد، وحاليًا يجري العمل لحل مشكلة بركة تجميع مياه الصرف الصحي الواقعة غرب خانيونس جنوب قطاع غزة، وحصلنا على تمويل من الوكالة النمساوية للتنمية لحل هذه المشكلة، وجهّزنا الخطة المبدئية للمشروع".
أما بخصوص آبار المياه الجوفية في قطاع غزة، فأكدت بسيسو أن سلطة المياه لديها خطة واضحة لإغلاق بعض الابار الخير صالحة للاستخدام، كجزء من الخطة للسيطرة على الخزان الجوفي وحمايته، بحيث يتم الاستفادة من مياه بعض الابار الصالحة ذات الجودة المناسبة، مضافًا إليها كميات المياه المشتراة من الجانب الإسرائيلي، والمياه المحلّاة عبر محطات التحلية بعد عملها بشكل كامل، "فيتم خلطها جميعًا بحيث تصل إلى بيوت المواطنين بواقع 12 ساعة يوميًا في المرحلة الاولى، لترتفع نسبة استفادة الفرد من 74 لترًا يوميًا، ثم تصل إلى 104 لترات مع اكتمال محطة التحلية المركزية". وهذا –وفقًا لبسيسو- تطور مهم تسعى سلطة المياه للوصول إليه، وبجودة تطابق المواصفات الفلسطينية والعالمية حسب الخطة، التي تتطلب تعاونًا أكبر من قبل الجهات العاملة في المياه في قطاع غزة.
























