غزة:
بسعادةٍ غامرة، استقبلت الطالبة سارة أبو عساكر (14 عامًا) صديقتها في مدرسة المدينة المنورة الإعدادية بحي تل السلطان جنوب مدينة رفح. لقد انقضى عامٌ على آخر لقاء جمعهما "بسبب تداعيات كورونا" التي دفعت بوزارة التربية والتعليم، إلى اعتماد التعليم الإلكتروني.
تقول سارة التي جابت أروقة المدرسة مسرعةً كفراشة ترفرف بين الزهور: "كل شيء في المدرسة مختلف، لا مقارنة بين تلقي الدروس هنا، وبين تلقيها عبر الهاتف المحمول"، مضيفةً: "الالتقاء بصديقتي والضحك في وجه معلّمتي، وحتى إجابة أسئلتها داخل الفصل أمام زميلاتي، والكتابة على السبورة بالطباشيور، كلها أمور لا يمكن أن تعوضها الإيموجي (الوجوه التعبيرية)، ولا الهاءات المتلاصقة".
الطالبة سارة: كل شيء في المدرسة مختلف، لا مقارنة بين تلقي الدروس هنا، وبين تلقيها عبر الهاتف المحمول
"كان مملًا" تصف سارة العام الدراسي الماضي، "فدروس تطبيق zoom ليس فيها تفاعل، ولا نستطيع توجيه الأسئلة للمعلمة، أما في المدرسة فروح الحصة مختلفة، وتناول الإفطار مع الصديقات في الفسحة.. هذا لا يمكن أن نجده خلف شاشات أجهزتنا"، معربةً عن أمنيتها بمواصلة التعليم الوجاهي، وانتهاء "كابوس الكورونا" عن قريب.
إسلام والدة سارة، زادت: "حتى طرح المعلمة للأسئلة في الفصل أمام الجميع مختلف، عادة تكون هناك إجابات صحيحة وأخرى خاطئة وهنا ترسخ المعلومة لدى الطلبة، نظام دروس الفيديوهات عانينا منه بشدّة، ولم يكن فيه أي تفاعل".
إسلام أبو عساكر (33 عامًا) هي واحدة من آلاف الأمهات اللواتي رفضن تجربة التعليم الإلكتروني، لما له من انعكاساتٍ سلبية على الطلبة وعائلاتهن على حد سواء.
إسلام:ينقضي النهار بأكمله ونحن على الهاتف المحمول ما بين دروس وتكليفات علينا إجابتها بسرعة، كل هذا أنتج طلبةً لم يتستفيدوا أي شيء
تقول: "لدي أربعة أبناء، ثلاثة منهم في مراحل تعليمية مختلفة، ولكل منهم أربعة أو خمسة معلمين، كل معلم منهم أنشأ لمادته مجموعة على تطبيق "واتساب"، بمعنى أنني بمفردي أتابع 15 مجموعة! ناهيك عن مواعيد دروس "الزووم" التي تكون أحيانًا متداخلة، وكله على جوال واحد".
ينقضي النهار بأكمله ونحن على الهاتف المحمول –تتابع- ما بين دروس وتكليفات علينا إجابتها بسرعة، "كل هذا أنتج طلبةً لم يتستفيدوا أي شيء من مناهج التعليم العام الماضي"، ملفةً إلى وجود أمهات لا يعرفن التعامل مع التكنولوجيا بشكل جيد، وهذا أضرّ بأبنائهن كثيرًا، "ناهيك عن ضعف الإنترنت، والانقطاع والمتكرر للكهرباء، كلها ظروف جعلت تقييمي للتجربة بـغير الجيد".
وحسب "التعليم"، هناك حوالي مليون و393 ألف طالب وطالبة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالإضافة إلى حوالي 71 ألف معلم ومعلمة، يتوزعون على مدارس تابعة للحكومة الفلسطينية، وخاصة، وأخرى تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
منى: كل الدروس تحتاج إلى متابعة عبر تطبيق زوم، وليس لدي سوى جهاز محمول واحد
السيدة منى أبو عيادة "أم محمد"، وهي من قرية جحر الديك شرق مدينة غزة، تبثّ ذات الشكوى، فهي أيضًا كانت –العام الماضي- تتابع التعليم مع أربعة أبناء في عدة مراحل دراسية، أي أنها كانت تحمل في هاتفها نحو 20 مجموعة واتساب!
تشرح السيدة منى معاناتها بالقول: "كل الدروس تحتاج إلى متابعة عبر تطبيق زوم، وليس لدي سوى جهاز محمول واحد (..) لست وحدي التي أعيش هذه المشكلة، فكثير من الأمهات مثلي، ما بين ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء، ونهارنا المستنزف على الجوال".
وتخشى أم محمد العودة لنظام التعليم الإلكتروني بذات الآلية السابقة؛ إذ لاحظت انخفاض مستوى التحصيل لأحد أبنائها نتيجة ذلك، وعليه فهي تقترح اتخاذ أي بدائل صحية، تضمن مواصلة الطلبة تعليمهم وجاهيًا.
مؤخرًا، أطلقت مجموعة أمهات حملةً عبر الإنترنت تحت عنوان #لا_للتعليم_الإلكتروني، طالبن من خلالها وزارة التربية والتعليم، باتخاذ كل الإجراءات التي تضمن التزام الطلبة بالتعليم الوجاهي، تفاديًا لضعف جودة التعليم الذي لمسنه خلال العام الماضي.
النجار: الوزارة كجزء من خلية الأزمة المنعقدة بشكل شبه دائم تستعد في العام الحالي لثلاثة سيناريوهات
يقول مدير دائرة العلاقات العامة والإعلام بوزارة التربية والتعليم د.أحمد النجار، في معرض تقييمه لتجربة العام الماضي لـ "نوى": "العملية التعليمية واجهت العام الماضي جملةً من الصعوبات أبرزها الحصار، ثم جائحة كورونا، التي أثرت سلبًا على العملية التعليمية".
ورغم أن وزارة التربية والتعليم قامت بجهد كبير لمواصلة التعليم (والحديث له)، واتخذت إجراءات تتناسب مع طبيعة الظرف، حين حولته إلى المدمج، ثم الإلكتروني عند الإغلاق الشامل، "لكن رضا الوزارة ليس كبيرًا" -يقول النجار-
ويكمل: "الوزارة بذلت جهودًا ساهمت في إنجاح العملية التعليمية من خلال إذاعة صوت التربية والتعليم، ومرئية وموقع روافد، التي قدمت الدروس المصورة، واستخدمت بطاقات التعليم الذاتي، التي ركزت على المهارات الأساسية، وأجزاء مهمة من المنهاج"، مستدركًا: "لكنها ظلت غير مُرضية، بسبب الصعوبات التي واجهت هذه التجربة، وأثرت سلبًا عليها.
يضيف النجار: "من بين هذه المعوقات انقطاع التيار الكهربائي، وعدم امتلاك معظم العائلات لأجهزةٍ لوحية، أو أجهزة حاسوب، أو هواتف نقالة تكفي للطلبة في البيت جميعًا، ناهيكم عن ضعف معرفة بعض الأهالي بالتكنولوجيا، وهذا كله لم يعطنا النتائج المرجوة".
إلا أن الوزارة كجزء من خلية الأزمة المنعقدة بشكل شبه دائم- حسب النجار- تستعد في العام الحالي لثلاثة سيناريوهات، الأول هو اعتماد التعليم الوجاهي كما هو جارٍ حاليًا، مع اتخاذ كافة إجراءات الوقاية والسلامة، والثاني هو العودة للتعليم المدمج، بمعنى دروس وجاهية وأخرى إلكترونية في حال ارتفع المنحني الوبائي بشكل أكبر.
أما السيناريو الثالث فهو العودة بالكامل للتعليم الإلكتروني، وهذا سيحدث بمجرد اتخاذ قرار بالإغلاق الشامل.
وفي هذا الإطار –يزيد النجار- فإن المعلمات والأساتذة طلبوا من كل طالب إنشاء بريد إلكتروني على موقع جي ميل، حيث تعتمد الوزارة تطبيق "جوجل كلاس" في دروسها، وهذا ليكونوا جاهزين للعودة لأي من السيناريوهين.
لكن لدى الوزارة توجه واضح بتطعيم كل العاملين في نطاق العملية التعليمية، من أساتذة ومدراء وعاملين، إضافة إلى الطلبة من الصف العاشر حتى الثاني عشر، مع حملة توعية وتشجيع مستمرة.
























