شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:57 بتوقيت القدس

يصنعها "محليًا" فتية وأطفال!

غزة..تركيبة ألعاب مُتفجّرة بإعلان في "فيسبوك"

19 اعسطس 2021 - 20:15
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

غزة:

"كيلو مواد "مغنيسيوم" انفجاري ناعم بـ 30 شيقل، كيلو "مغنيسيوم" انفجاري خشن بـ 35 شيقل، فتيل عادي أسود- المتر بخمسة شواقل، فتيل أخضر مائي- المتر بسبعة شواقل، قنابل مثلث صغير 50 حبة بـ20 شيقل، قنابل مثلث كبير 50 حبة بـ30 شيقل".

ما سبق، ورد في إعلانٍ نشره صاحبه عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" بكل بساطة. أرفق رقم هاتفه من أجل التواصل، ثم بدأ يستقبل التعليقات والاستفسارات.

وللإشارة، فإن المعروضات جميعها، هي مكونات كيميائية ممنوعة الاستخدام بين العامة، إلا أنها تشكل توليفةً لتركيبة مفرقعات "محليّة الصنع"، يلجأ إليها سكّان غزة، للاحتفال بمناسباتهم السعيدة.

تاجر أكواع: "لم أتعرض لمضايقة أو مساءلة من قبل أحد حتى الآن

تكمن خطورة هذه المفرقعات، في كونها تُصنَّع بأيدي فتية دون الخامسة عشرة، أو "في الخفاء" على أيدي تجار، داخل مصانعهم، أو في بيوتهم، بشكلٍ يخالف القانون.

"نوى" رصدت حكايا لمصابين، ما بين مصنعين، ومستخدمين للمتفجرات "محلية الصنع"، أولئك الذين انفجرت مفرقعاتهم بسبب خللٍ ما، وتسببت بأضرارٍ يعاني –من كتب له النجاة منهم- تبعاتها حتى اللحظة. كيف يحصل تجار المفرقعات على المواد الخاصة بتركيبتها، في الوقت الذي لا تتمكن فيه أقسام الكيمياء في الكليات والجامعات من الحصول عليها إلا بعد تراخيص وتعهدات؟ وما دور وزارة الاقتصاد؟ وأين دائرة مباحث التموين والمعادن؟ الإجابة في السياق التالي:

أضرار كبيرة

في صيف 2020 وتحديدًا في الرابع عشر من آب/ أغسطس، خسر "محمد" عينه في عرس ابن عمه، نتيجة إطلاق نوعٍ من المفرقعات، وأسماه "الكوع"، احتفالًا به.

وقبلها بأربع سنوات، قُتل أربعة أفراد في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، نتيجة تخزينهم كمية كبيرة من مادة "المغنيسيوم" المتفجر، في أحد "الحواصل" أسفل أحد البيوت.

وفي عرف الغزيين، تُسمى تلك المتفجرات الصغيرة بـ "الأكواع"، وهي نقيض الألعاب النارية الآمنة نسبيًا، بالنظر إلى مكوناتها، وأسلوب التصنيع، وصدى صوتها، إذ تتكون من مواد كيميائية في غاية الخطورة، وتُصنّع محليًا دون رقابة كافية. ويكاد صوت انفجارها يشبه أصوات الصواريخ التي تطلقها طائرات الاحتلال.

ومنذ عامين، يتاجر (م)، بالأكواع محلية الصنع. ويقول: "عملي هذا لا يستدعي المساءلة أو المراقبة".

ويشرح لـ"نوى" عبر الهاتف، كيفية تصنيع هذه الأكواع التي تصدر أصواتًا انفجارية عالية: "نعتمد على خراطيم مياه ضيقة القطر، نعمل على تقطيعها إلى قطع طولها ما بين 10 سم، و20 سم، ثم نحشوها بالمغنيسيوم المخلوط بنترات البوتاسيوم، ونغلقها بالسيلكون من الجانبين، بعد أن نمرر بداخلها فتيلًا قابلًا للاشتعال".

محاضر في قسم كيمياء: كيف يحصل هؤلاء على هذه المواد بهذه السهولة؟

ويعرض (م) بضاعته عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، مرفقًا رقم هاتفه النقال الذي تواصلنا معه من خلاله.

ويضيف: "لم أتعرض لمضايقة أو مساءلة من قبل أحد المختصين حتى الآن، أما بخصوص سعر البيع، فأنا أبيع القطعة حسب حجمها، بأسعارٍ تتراوح بين خمسة، وعشرة شواقل".

وإذ يقر الشاب بخطورة عمله، واحتمالية فقدانه لأصابع يده، أو الإصابة بحروق بليغة، في يومٍ ما، إلا أنه يعتقد بأن الوضع الاقتصادي الذي تعيشه غزة، يوجب على شبابها البحث في كل الطرق لمحاربة البطالة، مشيرًا إلى أن الأطفال والمراهقين، هم الأكثر إقبالًا على شراء "هذه الألعاب المتفجرة".

مواد ممنوعة

ويبدي أستاذ الكيمياء في الجامعة الإسلامية د.محمد الكرد، استغرابه الشديد من ترويج وبيع وشراء خام "المغنيسيوم" على صفحات "فيسبوك" بشكل علني.

ويقول لـ"نوى": "هذه المواد خطيرة للغاية، نحن ندرس الكيمياء في الجامعة، وحينما نحتاج لمواد خام من أجل الأغراض التعليمية، نجد صعوبةً في الحصول عليها، ونحتاج إلى تراخيص، ونخضع للرقابة من قبل المسؤولين"، ويتساءل: إذًا، كيف يحصل هؤلاء على هذه المواد بهذه السهولة؟!".

وعن تركيبة هذه "الألعاب المتفجرة" يشرح الكرد، أن المغنيسيوم الخام يتفاعل أكثر، ويصبح قابلًا للاشتعال أثناء خلطه مع النترات، ووضعه في حيزٍ مغلق، فيسبب انفجارًا أكبر، وصوتًا أعلى، وبالتالي سيكون هذا الاشتعال خطرًا بطبيعة الحال.

ويؤكد أن الضرر الناتج عن انفجار خليط "المغنيسيوم" و"النترات" ليس بالهين، حيث ثمة احتمالية كبيرة للإصابة بحروق بالغة جدًا.

الاقتصاد: دخول البيوت لرصد مخالفات من أي نوع ليس من ضمن صلاحياتنا

يتابع الكرد باستهجان: "هذه المواد يمنع الاحتلال دخولها، ونحن في الجامعة إذا أردنا توفيرها نشتريها من أماكن مرخصة لأغراض تعليمية، ومنذ سنوات نجد صعوبةً في توفيرها من الأسواق، ولا أدري كيف يوفرها المصنعون؟ ويتناقلها العامة من الأطفال والشباب بهذه السهولة".

حماية المواطن

مدير عام حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، عبد الفتاح أبو موسى، أكد وجود إشكالية في ضبط وإتلاف هذه المواد، تكمن في أماكن تواجدها، "لأن الكثير من المصنعين، يعملون من داخل منازلهم، ويروجون لها من خلال صفحات فيسبوك، ولا مسؤولية لحماية المستهلك في رصد البيوت".

ويقول: "إذا كانت المفرقعات صناعة محلية أو مستوردة، تُتلف بعد محضر ضبط، وهناك الكثير من التحذيرات للتجار"، ملفتًا إلى مسؤولية إدارته عن رصد المخالفات في المصانع، والمتاجر الرسمية المرخصة، "أما رصد التصنيع غير القانوني فيقع على عاتق مباحث التموين، فنحن كوزارة، غير مسموح لنا بدخول أي بيت لرصد مخالفة من أي نوع".

وتمتلك وزارة الاقتصاد أحقية الضبطية القضائية للمصانع والمنشئات الاقتصادية، ولا يسمح لها بدخول البيوت، لكنها على اتصالٍ دائمٍ مع المباحث العامة، لضبط المصانع داخل البيوت، "وكل ذلك يعتمد على تعاون وتبليغ المواطن"، وفق أبو موسى.

ويؤكد مدير عام حماية المستهلك، أن معظم العاملين في تصنيع الألعاب المتفجرة، هم من الفتية دون السن القانونية، متحدثًا عن قصةٍ حدثت العام الماضي "حين وصل الإدارة بلاغ بوجود مصنع صغير لـ"ألعاب متفجرة"، تبين لاحقًا أنه داخل منزل، فتكفلت المباحث بمتابعة المشكلة".

ويلفت أبو موسى إلى أهمية دور المجتمع، والأسر التي تتعامل بجهل مع "الألعاب المتفجرة"، وتسمح للأطفال بصناعتها، أو شرائها، وبيعها.

قنيطة: صادرنا أكثر من 60 ألف قطعة مصنعة محليًا خلال عامٍ واحد

ونوّه إلى إمكانية التواصل عبر رقم الطوارئ (1800112233) الخاص بوزارة الاقتصاد، للإبلاغ عن أي مصنع مخالفٍ لشروط حماية المستهلك.

وفي هذا الإطار، يؤكد المقدم أحمد قنيطة، مدير دائرة مباحث التموين والمعادن في المباحث العامة، أن إدارته تلاحق المروجين والتجار في كل مكان، وترصد الكثير من الإصابات في شريحة الأطفال التي تصل للمستشفيات، بين حرق، وبتر، ووفاة أيضًا، بسبب "الألعاب المتفجرة"، مذكرًا بالحادثة الأكبر التي أدت إلى وفاة أربعة من عائلة واحدة عام 2018 بحي الشجاعية، إثر انفجار مواد خام لصناعة "المفرقعات النارية".

ويقر قنيطة بأن مشكلة تصنيع "الألعاب المتفجرة"، دفع الإدارة إلى مضاعفة الجهد من أجل سحبها من الأسواق، وملاحقة المخالفين، "مع لفت النظر إلى الألعاب النارية المستوردة والمصنعة ضمن مواصفات عالمية، يسمح بتداولها في الأسواق، بالإضافة إلى نوعٍ مصنعٍ محليٍا يستخدم فيه المغنيسيوم المستخرج من بطاريات السيارات القديمة، حيث تخرط المادة، وتُسحق لتتحول إلى برادة، يضاف إليها الكحول، وتُصنع بالشكل الموضَّح".

ومنذ أغسطس 2020، وحتى اليوم، ضبطت مباحث التموين أكثر من 60 ألف قطعة مفرقعات، وداهمت أكثر من 60 منزلًا يشتبه بأن أصحابها يصنعون الألعاب المتفجرة، وأحالت أكثر من 12 شخصًا للنيابة العامة، تبعًا لقنّيطة.

كما أشار إلى إغلاق 12 محلًا تجاريًا عام 2020م، لبيعها هذه "الألعاب"، وإغلاق 10 مصانع فردية عام 2021.

وحث قنيطة المواطنين على تحمل المسؤولية المجتمعية، والتعاون مع المباحث، من أجل محاربة هذه المشكلة الخطيرة "ذلك حتى لا تتحول إلى ظاهرة"، والإبلاغ عن أي إعلان، أو أي صفحة تروج أو تبيع هذه المواد، من خلال الاتصال على رقم (100) الخاص بالمباحث العامة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير